30 تشرين1/أكتوير 2016

العمال الزراعيين فى مصر والمستقبل المجهول مقتل 79 عامل زراعى وإصابة 190 آخرين فى طريقهم لعملهم فى المزارع

تقديم

نظرًا  لظروف العمل السيئة التى يعانى منها العمال الزراعيون فإن المركز يصدر هذا التقرير لبدء نقاش بين المهتمين فى مصر لتحسين شروط عملهم لتوعيتهم ومساعدتهم على تنظيم أنفسهم وتحقيق أهدافهم فى العمل اللائق والعيش الكريم.

ويهدف التقرير إلى التعرف على أوضاع العاملين فى قطاع الزراعة وظروف عملهم ومشاكلهم وأثر السياسات العامة والزراعية فى دخولهم وحياتهم ، ويحاول التعرف على التنويعات المختلفة داخل هذا القطاع من حيث طبيعة عملهم وموسميته أو دوامه وأماكن عملهم بالشركات الحكومية أو الخاصة وتقسيماتهم من الناحية العمرية وهم: [أطفال وبالغون - ذكور وإناث] كما يهدف إلى التعرف على أوضاع الأطفال العاملين فى قطاع الزراعة ويرصد الحوادث التى تعرض لها العاملون فى قطاع الزراعة بسبب النقل من المزارع لمنازلهم أو العكس خلال الفترة التى يغطيها التقرير من 1/1/2016 حتى 30/9/2016.

واستخدم التقرير المنهج الوصفى التحليلى بالاعتماد على العديد من الدراسات التى تعرضت لأوضاع هذا القطاع بالإضافة إلى ما نشر خلال عام 2016 بالجرائد والمواقع الإلكترونية عن حجم المشكلة وظروف عمل الأطفال والعمال الزراعيين إضافة إلى لقاءات ميدانية مع خبراء فى هذا المجال وبعض النقابيين المتخصصين فى موضوع التقرير.

وقد تم تقسيم التقرير إلى خمسة أقسام كالتالى:

القسم الأول يبين تأثير السياسات فى أوضاع قطاع العاملين فى قطاع الزراعة وذلك منذ يوليو 52 وحتى عام 2016.

ويكشف هذا القسم عن الملامح العامة للسياسات والتشريعات التى أصدرتها الحكومات المتتالية عبر مراحل ثلاث مختلفة الأولى تمتد من عام 1952 وحتى عام 1975 ، والثانية تبدأ من عام 1975 حتى عام 2011 ، والثالثة من عام 2011 حتى الوقت الراهن ، ويبين التقرير الآثار السلبية لهذه السياسات فى مجمل أوضاع العاملين بالزراعة.

وفى القسم الثانى يكشف التقرير عن واقع العمالة الزراعية ومشاكلها منذ عام 1992 وحتى الآن حيث أكد أنهم يعانون من عدم الاستقرار في فرص العمل، نتيجة موسمية العمل الزراعي ، كما يعانون من استغلال ونهب مقاولي الأنفار خاصة مع استمرار وتوسع ظاهرة عمال التراحيل الذين يبحثون عن فرصة خارج قراهم وانخفاض الأجور الحقيقية عن باقى العاملين بأجر بالإضافة لتدهور أوضاعهم المعيشية ودخولهم وتعرضهم للإصابات وغياب أى ضمانة قانونية أو تأمينية أو صحية.

وفى القسم الثالث يتعرض التقرير إلى ظاهرة عمل الأطفال باعتبارها أحد القطاعات النوعية المهمة داخل قطاع العاملين الزراعيين ، وذلك فى محاولة من المركز لدحض الاهتمام الزائف من الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية والمحلية والحكومة المصرية بحقوق الأطفال ، ويستعرض أوضاع الأطفال العاملين فى مصر والعالم وظروف تشغيلهم والقوانين والاتفاقيات الدولية التى تنظم عملهم.

ويستعرض بعض الملاحظات السلبية الواردة بالقوانين المصرية مثل قوانين الطفل والعمل والنقابات العمالية والتأمينات الاجتماعية والتى تفتح بابا واسعا لاستغلال الأطفال العاملين وتؤدى إلى تهرب أصحاب الشركات وكبار الملاك من تحمل مسئوليتهم فى حماية حقوق هؤلاء العاملين.

وأكد التقرير أنه على الرغم من كل جهود المنظمات الدولية واتفاقياتها وتوصايتها ومؤتمراتها والتزام الحكومة المصرية بتنفيذ بنودها ومع كل أدوار المؤسسات الحكومية والأهلية فى مصر لتحسين ظروف عمل الأطفال أو وقف استغلالهم ورغم صدور التشريعات والدساتير التى تؤكد حماية حقوق الأطفال العاملين ، فمازال أطفالنا يتم استغلالهم من قبل أصحاب الأعمال بسبب سياسات حكومية تنحاز لمصالح رجال الأعمال والفاسدين وتعيد إنتاج هذه الظاهرة ليس لشىء إلا لأن مجهودات كل هذه المؤسسات لا تهدف إلى تغيير السياسات بل تهدف إلى ترميم سياسات أنظمة ثبت فشلها فى تحسين حياة كل العاملين بأجر.

وفى القسم الرابع يرصد التقرير بعض الحوادث التى وقعت للعمال الزراعيين خلال الفترة التى يغطيها التقرير وذلك أثناء ذهابهم إلى المزارع أو العودة إلى منازلهم .

ويكشف عن مقتل 79 عاملاً زراعيًا ما بين عمال وعاملات بالغين وفتيان وفتيات وإصابة 190 آخرين وذلك بسبب حوادث طرق لسيارات ومعديات متهالكة وغير صالحة للاستخدام وحوادث أخرى ناجمة عن تسمم غذائى فى إحدى المزارع أو نشوب حرائق.

ويؤكد التقرير أن عدد الحوادث التى يتعرض لها العاملون بقطاع الزراعة تزيد على ذلك بكثير، لأن هذه الفئات لا يهتم بها إعلام مؤسسات الدولة المشغول بدعم أصحاب الشركات وكبار الملاك، فنادرًا ما يشير إلى مثل هذه الحوادث ، وإن أشار إليها فيكون على حرج وفى صفحة الحوادث وفى مكان لا يمكن رؤيته.

ويؤكد التقرير فى قسمه الخامس بعض الملاحظات الختامية والتوصيات حيث يؤكد أن عمل الأطفال هو جزء من مشكلة أكبر تخص كل العاملين بالزراعة وكل العاملين بأجر ولن يتم وقف استغلالهم أو تحسين شروط حياتهم إلا من خلال تنظيمات العاملين بالزراعة المستقلة التى يمكنها الدفاع عن مصالحهم فى مواجهة استغلال أصحاب المزارع ومقاولى الأنفار وأصحاب الشركات ويمكنها أيضًا مقاومة الفساد المنتشر بأجهزة الدولة.

ويجب أن تدير هذه التنظيمات قيادات عمالية فاعلة ومستقلة ولها مصلحة مباشرة فى تحقيق أهداف هذه التنظيمات عبر عملية طويلة من النضال وليس الاستجداء من أصحاب الأعمال أو السلطات .

إننا نعلم أن هذا الطريق الطويل يحتاج إلى جهود نضالية وبحثية متواصلة لكننا على ثقة بقدرة كل العاملين بأجر ومن ضمنهم العاملون بقطاع الزراعة بتخطي صعاب هذه المرحلة ومواجهة استبداد وعسف السلطات والشركات ورجال الأعمال لتحسين شروط حياتهم وعملهم وتغيير موازين القوى فى مجتمعنا كى يسع كل طبقاته ويكفل لهم الحرية والعيش الكريم والمساواة.


أولاً: العمال الزراعيون .. قطاعات منسية

يحاول هذا الجزء توضيح العلاقة بين السياسات وأوضاع العمال الزراعيين ؛ حيث تؤثر توجهات مؤسسات الدولة فى مجمل الأوضاع الزراعية والصناعية والتجارية وبالتالى فى حياة وأجور وظروف كل العاملين بأجر.

ويعد قطاع الإنتاج الزراعي فى مقدمة القطاعات الاقتصادية التى استهدفتها مجمل التحولات الاقتصادية التى شهدتها مصر منذ يوليو 1952 وحتى الآن ،  وذلك لاستيعابه الجزء الأكبر من قوة العمل ولأن غالبية المصريين مازالوا يعيشون فى الريف ، كما أن هيكل بناء القوة فى المجتمع المصرى ولسنوات طويلة ارتبط بنمط توزيع ملكية وحيازة الأراضى الزراعية ، يضاف الى هذا أن أي عملية تنموية تستهدف التوسع فى القطاع الصناعي تعتمد على تطوير وزيادة إنتاجية  قطاع الزراعة الذى يمدها بجزء كبير من المواد الخام التى يحتاجها الكثير من الصناعات ، وفائض العمالة الذى يمكن أن يتحول إلى القطاع الصناعي إذا تمت إعادة تأهيله  وتدريبه ، بالإضافة إلى حصيلة النقد الأجنبى من الصادرات الزراعية التى تسهم فى مواجهة احتياجات الاستثمار الصناعي.

فمع صدور قانون الإصلاح الزراعي الأول وحتى 1975 استهدفت السلطة الحد من النفوذ السياسى والاجتماعى للشريحة العليا من كبار الملاك ، وخلق قدر من الشرعية السياسية ، والمساندة الجماهيرية لسلطة يوليو ، ووقف نمو التمردات والتوترات الاجتماعية ، وتحرير جزء من فائض الدخل المتولد من النشاط الزراعي لدعم موارد الدولة بهدف إعادة استثماره فى التصنيع والمجالات الأخرى ، وقد استطاعت مؤسسات الدولة بعد ذلك وطوال تلك الحقبة وحتى الآن وعبر سلسلة قوانين الإصلاح الزراعي المتتالية أن تحقق الأهداف العامة لتلك السياسات وذلك على مراحل عدة ومن خلال:

المرحلة الأولى تمتد من عام 52 وحتى عام 1975[1]:

واعتمدت هذه المرحلة على:

1-  تنظيم ملكية الأرض بوضع سقف أعلى للملكية وتحدد بــــ 50 فدانًا للفرد و100 للأسرة ، وبلغت جملة الأراضى التى فرضت عليها الحراسة نحو 12,5% من إجمالى الأراضى الزراعية بما يوازى 71,381 فدان وهو ما يعنى أن هدف تلك الإجراءات لم يكن إعادة بناء هيكل الملكية والحيازة الزراعية بشكل جذري بقدر ما استهدف تصفية النفوذ السياسى لكبار الملاك ، ولصالح أغنياء الفلاحين الفئة من 10 أفدنة حتى 100 فدان والذين زادت نسبتهم العددية من 2,8 % من إجمالى الحائزين قبل تطبيق القانون إلى 36,1% فى عام 1961، وارتفعت نسبة مساحات حيازتهم الزراعية من 36,1% من إجمالى المساحة الزراعية قبل تطبيق القانون إلى 39,3% عام 1961، وفى المقابل ظلت نسبة  أعداد أصحاب الحيازات القزمية (أقل من 5 أفدنة ) كما هى تقريبا بدون زيادة وإن كانت نسبة حيازتها ارتفعت من 35,4% من إجمالى  الأراضى الزراعية قبل تطبيق القانون إلى 52,1 % عام 1961، وتشير نفس الإحصاءات إلى أن فئة الحائزين لخمسة أفدنة ظلت نسبتها من حيث العدد ومساحة الحيازة كما هى بدون تغيير كبير ، وهو ما يعنى أن النسبة الغالبة من الأراضى التى خضعت لقوانين الإصلاح (12,5%) ذهبت بكاملها إلى أصحاب الحيازات القزمية التى ارتفعت مساحات حيازاتهم بمقدار 16,7%.

وتشير هذه التطورات فى نمط توزيع الحيازات الزراعية إلى أن جيوش المعدمين التى تشكل الكتلة الرئيسية من العمالة الزراعية لم تستفد من قوانين نزع وإعادة توزيع الملكية المرتبطة بقوانين الإصلاح الزراعي .

2-  تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر ، حيث كان نمط إيجار الأرض هو النمط السائد للاستغلال الزراعي، وهو ما مس مصالح الجزء الأكبر من صغار الحائزين ومتوسطيهم وقد نص القانون على جعل قيمة الإيجار 7 أمثال ضريبة الأرض الزراعية وهو ما أدى إلى الهبوط بقيمة الإيجار وإعادة توزيع الدخل المتولد عنه لصالح المستأجرين وعلى حساب الملاك الغائبين. وهو ما ضمن للنظام السياسى الوليد قدرا واسعا من التأييد السياسى فى الريف إلا أن انخفاض القيمة الإيجارية عن العائد من الزراعة على الذمة أدى إلى عودة كثير من الملاك لزراعة أراضيهم بدلا من تأجيرها ، وهو ما أدى إلى تحويل المستأجرين السابقين إلى عمال زراعيين ، كما أدى تزايد النفوذ السياسى والاجتماعى لأغنياء الريف ورغبتهم فى الحصول على أعلى عائد من إيجار أراضيهم إلى تأجيرها خارج نطاق القانون بقيمة إيجارية أعلى وهو ما دفع مزيد من صغار الحائزين إلى اللجوء إلى العمل الزراعي بجانب حيازاتهم الصغيرة لتوفير دخل يساعدهم على الاستمرار فى الحياة والاستمرار فى الحفاظ على حيازاتهم القزمية  ، هذه المتغيرات أدت فى النهاية إلى زيادة المعروض من اليد العاملة مما أدى إلى انخفاض أجورهم حتى عن الحد الأدنى الذى حدده قانون الإصلاح الزراعي الأول الذى كان المكسب الوحيد الذى فازت به العمالة الزراعية.

        والخلاصة إن مجمل السياسات الزراعية التى استمرت على امتداد الفترة من 52 وحتى 1975 أدت بشكل عام إلى قدر من الانتعاش الاقتصادى فى الريف نتيجة التغيير الجزئي فى نمط توزيع الدخول لكن هذا الانتعاش لم يمس بشكل حقيقي أوضاع العمالة  الزراعية من المعدمين  الذين تزايدت أعدادهم وانخفضت أجورهم بشكل واضح ، ولولا عمليات التصنيع والمشروعات القومية الضخمة مثل السد العالي والتى امتصت جزءاً لا بأس به من هذه العمالة طوال النصف الثانى من الخمسينيات وحتى نهاية النصف الأول من الستينيات لوصلت الأوضاع إلى حد الكارثة.

        ومع هزيمة يوليو67 وتوقف كل عمليات التنمية والتوسع الصناعي وتوجيه كل الموارد للمجهود الحربي عاد شبح كارثة الفقر فى الريف وفائض العملة الزراعية مرة أخرى للتزايد ، والتى أمكن الامتصاص الجزئي لنتائجها من خلال استيعاب الجيش لأعداد هائلة من المجندين لاسترداد الأرض المحتلة ، لكن مع حلول أكتوبر 1973 وعودة هؤلاء المقاتلين من الحرب لقراهم ، وفى ظل وجود بناء اقتصادي غير قادر على استيعابهم خاصة فى الريف ، ومع تنامي تحول قطاعات متزايدة من صغار الحائزين إلى قوة عمل أجيرة ، وفى ظل الزيادة الطبيعية فى قوة العمل الناتجة عن زيادة السكان أصبحت كارثة العمالة الزراعية أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار.

 المرحلة الثانية الممتدة من 1975وحتى يناير 2011

تميزت تلك السياسات بالسعي إلى تخليص الاقتصاد المصرى من السياسات السابقة التى كانت تسمح بتدخل مؤسسات الدولة فى إدارة الحياة الاقتصادية والحد من قدرتها على السيطرة على الفائض الاقتصادى وإعادة استخدامه ، وإطلاق قوى السوق الرأسمالى بما يسهم فى إعادة رسم خريطة الدخل لصالح القوى الرأسمالية العالمية والمحلية ، وإعادة صياغة وتشكيل هيكل الاقتصاد المصرى لكي يكون مستعدا لاستقبال الاستثمارات الأجنبية ، وتعميق التحالف الاقتصادى والسياسي مع الغرب، وقد دشنت تلك السياسات بورقة أكتوبر والقانون رقم 43لسنة 74 والمعروف بقانون استثمار رأس المال العربي الاجنبى.

       مرة ثانية كان قطاع الإنتاج الزراعي والريف هو قاعدة إنجاز تلك التحولات العميقة ،  وهو ما تم عبر سلسلة طويلة من السياسات والتشريعات التى استهدفت:

1-تدعيم اتجاهات مركزة الأرض الزراعية فى يد الرأسمالية الزراعية بصفتها وسيلة الإنتاج الأساسية ، وهو ما تم عبر سلسلة القوانين الخاصة بتصفية أوضاع الحراسة ورفع التعويضات للمضارين حتى وصلت إلى الأسعار السائدة فى نهاية السبعينيات  وبدون حد أقصى ، وإعادة ما تمت مصادرته ولم يتم التصرف فيه بالبيع لأصحابه ، وهو ما أدى إلى استعادة 140 ألف فدان حتى عام 1985 وأكثر من 20 ألف فدان من أراضى الأوقاف ، وإذا افترضنا أن تلك المساحات وزعت بمعدل فدانين لكل مستأجر فمعنى عودتها لملاكها القدامى طرد أكثر من ثمانين ألف مستأجر وتحويلهم إلى معدمين وبالتالى قلت دخول أفرادها الذين يزيد عددهم على نصف مليون عامل (المستأجرون وأسرهم) ودخلوا سوق العمل الزراعي ، هذا العدد الذى سوف يرتفع بالتأكيد لأن توزيع أراضى الإصلاح والأوقاف كان يتم فى حيازات أقل . فى هذا الاتجاه أيضا استهدفت الرأسمالية الزراعية السيطرة على الأراضى المستصلحة ونهبها حيث كانت هناك مساحات تصل إلى 312/400 فدان مازالت فى حوزة شركات القطاع العام التى تزرعها على الذمة ، تم نهبها عن طريق إخراج عمليات الإصلاح من دائرة التخطيط المركزي ودعوة القطاع الخاص المحلى الأجنبى للاستثمار فى هذا المجال ، وتخريب شركات الاستصلاح حتى أصبح الاستمرار فى زراعتها عبئا يستنزف موارد الدولة، كما تم الاستيلاء بالقوة أو تحت غطاء قانوني على مساحات أخرى من الأراضى المستصلحة ، وهو ما انتهى إلى إقرار الحكومة بيع تلك الأراضى سواء كانت مستصلحة أو قابلة للاستصلاح ، بعد رفع الحد الأقصى للملكية فى الأراضى المستصلحة إلى 200 فدان للفرد وحتى 50 ألف فدان للشركات المساهمة ، وتشير الإحصاءات إلى أن الرأسمالية الزراعية استطاعت عن طريق الجمعيات التى شكلتها حيازة 288,729 فدانًا حتى عام 1982 فقط ، يضاف إلى هذا تعديل قوانين العلاقة بين المالك والمستأجر ورفع القيمة الإيجارية وهو ما تم على حساب صغار الحائزين وأصحاب الحيازات القزمية الذين طردوا من أراضيهم فى كل قرى مصر وتوافدوا على سوق العمل الزراعي منضمين إلى المعدمين من أبناء الريف المصرى. حيث تقدر إحصائيات التعدد الزراعى أن نحو 900 ألف مستأجر طردوا من أراضيهم التى قدرت بنحو مليون فدان على الأقل بسبب تطبيق القانون 96 لسنة 92 .

2- إطلاق حرية الاستثمار الرأسمالى فى الريف دون أدنى تدخل من الدولة ، وهو ما لعب الدور الأساسى فيه بنك التنمية والائتمان الزراعي الذى وفر مصادر تمويل مناسبة للرأسمالية الزراعية  وسحب العديد من الوظائف والأدوار التى كانت تقوم بها مؤسسات تعبئة الفائض القديمة والمسماة بالجمعيات الزراعية ، كما ألغيت الدورة الزراعية ، وكذلك التسليم الإجبارى للمحاصيل التقليدية . وفى الوقت نفسه كبلت الحيازات الصغير بالديون والقروض لدى البنك وتحول أصحابها فى النهاية إلى معدمين ، أو اضطروا للعمل لتغطية ديونهم لدى البنك.

3- دعم مواقع الرأسمالية الزراعية فى البناء السياسى ، وتشير نتائج الانتخابات البرلمانية المتتالية إلى ارتفاع نسبة تواجدهم فى البرلمان  بل بين قادة الأحزاب السياسة وفى المجالس المحلية التى سيطرت عليها عائلات أغنياء الريف ولم يخرج مجلس الوزراء من دائرة تواجدهم حيث حافظوا  على تواجدهم بوزيرين على الأقل يرتبطون بمصالح مباشرة مع الرأسمالية الزراعية. وهو ما دعم فى النهاية النفوذ الاقتصادى لدى كبار الحائزين وأغنياء الفلاحين الذين استطاعوا توفير الحماية السياسية لفرض سطوتهم واستغلالهم على العمالة الزراعية المجردة من أى حماية قانونية أو سياسية .

 وعلى امتداد تلك الفترة أدت هذه السياسات بشكل عام إلى مزيد من الإفقار والتمايز الاجتماعى داخل الريف المصرى دفع ثمنه أفقر الفقراء من المعدمين الذين يشكلون جسم العمالة الزراعية وكتلتها الرئيسية ، لكن الفورة النفطية ووجود توجه دولي لإعادة تدوير أموال النفط باتجاه الغرب واستخدام العمالة المصرية كقاعدة لتنفيذ هذا التوجه ،أسهم فى امتصاص فائض هذه العمالة إلى حد كبير عبر طوفان الهجرة (الشرعية وغير الشرعية ) إلى بلدان الخليج والعراق وليبيا والذى شمل الملايين من المصريين من سكان الريف وكان عمال الزراعة كتلتهم الرئيسية ، بالإضافة للهجرة إلى المدن خاصة فى المهن التى تحتاج لجهد بدني وقليل من التأهيل لسد فراغ العمالة الحضرية المهاجرة لدول النفط.

وأسهمت الهجرة بشكل نسبى فى الحد من مشكلة فائض العمالة الزراعية فى الريف ، حتى إنه مع بداية الثمانينيات أصبحت هناك ندرة فى العمالة الزراعية فى العديد من أنحاء الريف المصرى ، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبى فى أجورها ،  إلا أن الهجرة  على المدى الطويل ساعدت على الحفاظ على أوضاع بنية التخلف فى الريف المصرى وقطاع الزراعة ، وبالتالى ديمومة علاقات النهب والاستغلال التى تتعرض لها العمالة الزراعية.حيث أشارت العديد من الدراسات الميدانية إلى أن عوائد العمالة الزراعية المهاجرة لبلاد النفط ( سواء من المعدمين أو أصحاب الحيازات القزمية) ساهمت إلى حد كبير فى دعم أوضاع القطاع العائلي المعتمد على زراعة الحيازات القزمية والصغيرة ، والتى لا تمكنهم فى النهاية من الحياة بدون اللجوء للعمل لدى الغير كعمال زراعة أجراء ،لاستكمال احتياجاتهم النقدية ، هذا التغير فى تزايد أعداد الحائز/الأجير ارتبط  به بناء كامل من علاقات الإنتاج والمفاهيم الاجتماعية المتخلفة حيث تتسم هذه الفئة بالمحافظة وعدم الجسارة فيما يتعلق بالنضال من أجل تحسين شروط حياتها خشية خسارة حيازتها من الأرض ، وفى الوقت نفسه تشكل فائض قوة عمل داخل القرية ما دعم تدهور شروط العمل خاصة فيما يتعلق بسقف الأجور ، لهذا أسهمت هجرة العمالة الزراعية لدول النفط على المدى الطويل فى دعم أوضاع تخلف قطاع الزراعة والريف وبالتالى عدم تحسن ظروف وشروط العمل الزراعي بشكل حقيقي رغم تحسنها النسبي أثناء فترة الهجرة ، لكن مع تراجع عائدات النفط وبالتالى تراجع معدلات الهجرة ثم توقفها تماما تنامي فائض العمالة الزراعية مرة أخرى وهى الظاهرة التى أصبح يعانى منها الريف المصرى منذ منتصف التسعينيات.

 وفاقم من الآثار الكارثية لإعادة تنامي فائض العمل فى تلك المرحلة ظهور متغيرات أخرى لعل أهمها :

-    اتساع نطاق ظاهرة البطالة على مستوى الريف/الحضر التى وصلت إلى 10,6% من إجمالى قوة العمل فى عام 2006 طبقا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن عام 2006، وزادت فى عام 2010 إلى نحو 12% وبالتالى تراجع قدرة المدينة أو القطاعات الاقتصادية الأخرى عن امتصاص أي قدر من فائض بطالة العمالة الزراعية التى كانت تهاجر الى المدينة.

-        تزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة فى كل الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية وهو ما كان له أثره السلبي المباشر فى عمال الزراعة الذين يعانون من انخفاض التأهيل ويعتمدون بشكل أساسى على أعمال ترتبط بالجهد البدني . ويظهر هذا الاستخدام الواسع  للآلات فى الإنتاج الزراعي على نحو خاص فى المناطق المُستصلحة مثل سهل الطينة والوادي الجديد وسيناء وتوشكي بجنوب الوادي ، فإصلاح هذه الأراضى لا يمكن أن يتم إلا باستخدام آلات ميكانيكية سواء أكانت للتسوية أم للري حيث تعتمد عمليات الاستصلاح فى هذه المناطق كُليةً على الآلات الميكانيكية ، يضاف إلى هذا أن استخدام الآلات الزراعية يتطلب توفير العمالة الفنية المدربة حتى  تقوم بتشغيلها  وصيانتها ، وهو تأهيل غير متوافر بين عمال الزراعة التقليديين ، ويحتاج  بدرجة أكبر للشباب الحاصل على التعليم الفني  ، فى الوقت الذى تعانى فيه الكتلة الرئيسية من العمالة الزراعية من الأمية ؛ حيث تشير معظم المسوح والدراسات إلى ارتفاع نسب الأمية ؛ بينهم ففى دراسة أجريت في 15 قرية بخمس محافظات عامي 1992 و1993 ، وجد أن 77 % من عينة العمال الأجراء المعدمين أميون، وأن نسبة الحاصلين منهم على شهادات لا تتجاوز 4,5 % (الشهادات هنا لا تزيد على الإعدادية).

-    تزايد نهم الرأسمالية الزراعية لزيادة نصيبها من الأرض الزراعية وبالتالى استخدام جميع الأساليب القانونية وغير القانونية بما فيها العنف وجيوش المجرمين فى الاستيلاء على الحيازات القزمية والصغيرة (سواء فى الأراضى القديمة أو المستصلحة ) وطرد الفلاحين منها وتحويلهم إلى معدمين وقد استولت هذه الرأسمالية على معظم الأراضى التى كان يديرها الإصلاح الزراعى خلاف ما يزيد على 25 ألف فدان من أراضى الأوقاف.

-    اتساع نطاق الفقر وزيادة معدلاته خاصة فى الريف مع انهيار التعليم وارتفاع تكلفته  مما أدى إلى لجوء الكثير من الأسر الريفية إلى الدفع بأبنائها إلى سوق العمل وهو ما أدى إلى زيادة فائض العمالة من جهة ، بالإضافة إلى أن دخول هؤلاء الأطفال لسوق العمل وعملهم بأجور أقل ضاعف من تدهور أجور العمالة الزراعية .

المرحلة الثالثة بدأت مع تفجر الأوضاع فى عام 2011 وحتى عام 2016:

بصرف النظر عن مكونات التحالف الذى أدار التحرك العفوى للجماهير فى يناير 2011 أو الأسباب التى دفعت الأوضاع إلى سيطرة طغمة من القيادات العسكرية على إدارة البلاد  ، وبصرف النظر عما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمدنية بعد الانتفاض الثورى وحتى الان، فإن ما يهمنا هو تأثير تلك السياسات فى أوضاع العاملين فى قطاع الزراعة ، حيث واكب تلك المرحلة ونتيجة السياسات إلى بروز فئات جديد من الرأسمالية من أصحاب النفوذ المرتبطين بالسلطة الحاكمة قاموا بنهب ضخم ومنظم للأراضى والثروات الزراعية ، وأدى ذلك إلى ضياع جزء كبير من الأراضى فى البناء وبالتالى ضياع آلاف فرص العمل التى كانت متاحة أمام العمال الزراعيين وازدادت بالتالى أعداد العاطلين ، وقام التحالف الحاكم وتحت وهم مخاطر الحرب الإقليمية إلى إهمال قطاع الزراعة بل تعمد تخريب أجزاء منه لتلتهم قطاعات الرأسمالية المرتبطة به ثروات البلاد وتتزايد أرباحهم من التجارة الخارجية والمحلية ؛ حيث يشير تقرير للجهاز المركزى للمحاسبات إلى أن تكلفة الفساد وصلت إلى أكثر من 600 مليار خلال السنوات الخمس الأخيرة ويعود أكثر من 90% من هذا الفساد إلى قطاع الزراعة.

كما أن هذه السياسات أسفرت عن عدم زراعة محاصيل استراتيجية خاصة بالنسبة للتشغيل مثل محصول القطن فبعد أن كانت مصر تزرع ما يزيد على 1,5 مليون فدان قطن فى العام زرعت خلال 2016 نحو 130 ألف فدان ، وبالتالى فإن آلاف العاملين فى زراعات مثل القطن والذرة والقمح وقصب السكر قد انضموا لملايين العاطلين خاصة فى ظل بيع شركات القطاع العام وانسحاب الدولة من مجالات الإنتاج أو إنشاء المصانع ، وأصبح سوق العمل الرسمى لا يستوعب إلا المتعلمين وأصحاب الكفاءات الخاصة ( كمبيوتر ولغات).

وطبقًا لمشاهدات ميدانية فى القرى - تحتاج إلى دراسات وأبحاث مستقلة - فإن المتاح فى سوق العمل أمام ملايين العمال الزراعيين خلافًا للعمل الزراعى الذى لا يستوعب 10% من حجم العاطلين هى الوظائف الخدمية الخاصة ( قيادة التوكتوك – المقاهى – تنظيف الشوارع – خدمة المنازل – بيع الخضر والبقالة ) أما العمالة الزراعية التى تهاجر للمدن لا تجد أمامها إلا المهن المتعلقة بالإنشاءات وهم ( أنفار ومساعدون فى مجالات البناء) بالإضافة إلى انضمام أغلبهم إلى عمال الخدمات فى المدن ( عمال مقاه – سائقو توكتوك – خدمات للمنازل ومطاعم ومحال لبيع الخضر والفاكهة) هذا خلاف أن تدهور الأوضاع على المستوى الإقليمى ( العراق – ليبيا- سوريا – دول الخليج) أدى إلى انضمام آلاف العائدين إلى البلاد والذين ينتمى معظهم للريف إلى سوق العمل المكتظ أصلاً بالعمالة .

وطبقًا لتلك المشاهدات فإن نمط توزيع الحيازات لم يتغير منذ عام 1997 وتطبيق قانون تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر الذى أعاد الأرض الزراعية إلى مالكها ، والذى أدى إلى ارتفاع أسعار إيجارات الأرض لأكثر من مائة ضعف عما كانت عليه قبل تطبيق قانون تحرير الأرض ، بالإضافة إلى أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعى وأسهم كل ذلك فى ترك عدد كبير من المستأجرين للأرض الزراعية وانضمامهم إلى سوق العمل الزراعى أو غيره من أسواق العمل الهامشى.

ولا يفوتنا ونحن نستعرض تأثير السياسات فى حجم العمل الزراعى وأوضاع العمالة أن ننوه إلى غياب المعلومات أو الإحصائيات عن توجهات السلطة فى الوقت الراهن أو المستقبل ؛ فسياساتها ومشروعاتها وقراراتها المتضاربة والمتعلقة بالإعلان عن مشروعات كبرى أو رفضها الكشف عن ميزانيات وزارة الدفاع وما يمثله الإنتاج الحربى بالنسبة لقطاع الزراعة أو الصناعات والأنشطة الغذائية الأخرى أو إعلانها فى مشروعات طموحة دون دراسات أو رؤية تؤدى فى النهاية إلى توغل الفساد والنهب ، وتدعم مواقع ونفوذ الرأسمالية المرتبطة بها بتنويعاتها المختلفة ما يؤثر بالسلب فى أسواق العمل خاصة سوق العمل الزراعى.

وتؤدى هذه السياسات إلى دعم مواقع الرأسمالية الفاسدة فى البناء السياسى والبرلمانى والمحلى حيث يزيد عدد الضباط المعينين فى البرلمان الحالى على ثلث أعضاء المجلس، كما تؤدى السياسات الراهنة إلى توقف السلطة عن دعم قطاعات الصناعة أو الزراعة ما يؤدى إلى تدهور أوضاع قطاعات العاملين بأجر ومن ضمنهم العاملون فى قطاع الزراعة.

إن تأكيد مثل هذه المشاهدات الميدانية والمؤشرات عن الوضع الراهن الاقتصادى الاجتماعى السياسى الثقافى فى الريف يحتاج إلى عشرات الدراسات العلمية للتعرف على ظروف وأوضاع هذه القطاعات كى نتمكن فى النهاية من القيام بدورنا فى توعيتهم بأنسب الطرق وأقصرها لبناء تنظيماتهم التى يمكنها وحدها وقف استغلالهم وتحسين شروط حياتهم.

وفى النهاية لا يسعنا إلا القول بأن مجمل السياسات الزراعية أو التى اهتمت بشئون العمال الزراعيين فى مصر منذ عام 1952 وحتى الآن أسقطت من اهتماماتها أى توجه فعلى نحو تحسين شروط العمل أو التأهيل أو أجور العمالة الزراعية بل إنها أسهمت فى تزايد معدلات تدهور أوضاعها .


ثانياً: واقع العمالة الزراعية ومشاكلها

 تشير كل الإحصاءات الرسمية إلى أن سكان الريف مازالوا يشكلون الكتلة الرئيسية من السكان بنسبة تقدر بنحو 70% ، لهذا فإن كل المشكلات التى يعانى منها الريف وقطاع الإنتاج الزراعي تحديدًا ، والذى يمثل النشاط الاقتصادى لنحو خمسة ملايين  من قوة العمل المصرية ذات تأثير حاسم فى مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى المجتمع.

فى هذا السياق تأتى أهمية مشكلات العمالة الزراعية من حيث ثقلها السكاني والاجتماعى والاقتصادي فهي تعانى من :

1-               من أعلى درجات عدم الاستقرار في فرص العمل، نتيجة موسمية العمل الزراعي من جهة ، وتزايد أعداد العمالة الراغبة فى العمل مقارنة بفرص العمل المتاحة أو الطلب عليها ، وتؤكد دراسة أجراها مركز الدراسات الاقتصادية الزراعية في عام 1992 أن أيام العمل الزراعي أصبحت لا تتجاوز 174,3 يوم لكل مشتغل في المتوسط بعد أن كانت 182,8 يوم لكل مشتغل في عام 86 / 1987، وذلك بمعدل انخفاض يقدر بـ 6,9 % ومعنى هذا أن عدد أيام العمل الفعلية لعمال الزراعة كانت عام 86 / 1987 لا تتجاوز 63,5%، ثم تناقصت في 91 / 1992 إلى 59,1 % من إجمالي عدد أيام العمل الممكنة نظريًا التي تقدر بـ 295 يومًا لكل مشتغل في المتوسط. ومع تطور الزراعة وتحديثها واستخدام الآلات قلت فرص العمل عن هذه المعدلات وبالتالى قلت ساعات العمل الفعلية.

2-               استغلال ونهب مقاولي الأنفار خاصة مع استمرار وتوسع ظاهرة عمال التراحيل الذين يبحثون عن فرصة خارج قراهم، وهؤلاء هم أفقر فقراء الريف المصري ؛ حيث يعملون تحت سيطرة مقاولي الأنفار ويتنقلون من مكان لآخر فى وسائل نقل غير آدمية ، ولمدد تتراوح بين ستة أسابيع لتصل أحيانا إلى عام كامل. وهم يعملون في المزارع الرأسمالية الكبيرة وفي مشاريع البنية الأساسية الكبرى وفي صناعة التشييد والبناء. ويبلغ عددهم نحو خمسة ملايين من العمال ( نقابة العاملين بالتشييد والبناء - ونقابة عمال الزراعة والرى). ومع تزايد حالة الكساد سوف يتزايد نزوحهم إلى الإعمال المؤقتة على أطراف المدن التى أصبحت تشهد ما يعرف بسوق الرجالة، وحيث يتقاتلون على فرصة عمل ربما لا تستمر أكثر من يوم أحيانا .

3-      انخفاض الأجور الحقيقية للعمال الزراعيين كما تشير تقديرات البنك الدولي بنحو 60 % في الفترة من 1985 إلى 1991. أما البيانات الرسمية فتشير إلى أن الأجر الحقيقي قد انخفض في الفترة نفسها تقريبا (1986 – 1992) بنسبة 50,8 %، بالرغم من زيادة الأجر النقدي بنسبة 15,7 %، وهو الانخفاض المستمر نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار الذى يعانى منه المجتمع المصرى ... وهنا تجب الإشارة إلى أنه رغم معاناة كل الطبقات الفقيرة من انخفاض القيمة الحقيقة لأجورها فإن معدلات إفقار عمال الزراعة كانت أعلى بما لا يقارن من مثيلتها لدى عمال القطاعات الإنتاجية الأخرى  ، فقد أوضحت إحدى الدراسات أن دخل العمال الزراعيين الدائمين (المعدمين) في 1991 / 1992 كان يوازي 37,2 % من الدخل المتوسط لخط الفقر، أما دخل العمال الزراعيين المؤقتين (الفلاحون الفقراء الذين يعملون موسميا لدى الغير) من حيازتهم ومن العمل المأجور مجتمعين فيمثل 60,3 % من دخل خط الفقر ، أى إن دخول عمال الزراعة على وجه العموم أقل من حد خط الفقر .

ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية خلال الفترة من (2000 – 2016) التى زادت إلى أكثر من عشرة أضعاف فى بعض السلع مثل اللحوم والدواجن والسكر وغيرها من السلع الأساسية يتضح لنا حجم التدهور فى أجور تلك العمالة التى لم تزد أجورها خلال تلك الفترة بأكثر من ثلاثة أضعاف.

4-               ساعات العمل الطويلة التى قد تصل أحيانا إلى 11ساعة متواصلة يتخللها ساعة للغداء.

5-               لا يتمتعون بأي مميزات من تأمينات اجتماعية أو تأمين صحي أو بدلات وحوافز وعلاوات. وحتى من يعمل منهم عمالة دائمة فى المزارع الكبرى محروم من أي شكل من أشكال الرعاية الصحية أثناء العمل ، بل من أجورهم أثناء فترة المرض أو الإصابة ، ونظراً لأن طبيعة العمل تسير بنظام اليومية فمن الممكن أن يتم فصل مئات العمال دفعة واحدة وقطع مصدر دخلهم الوحيد بدون أن يكون هناك أدنى مسئولية تجاه هؤلاء العمال .

6-                تدني مستوى ونمط معيشة أسر هؤلاء العمال ، فعلى سبيل المثال تبين دراسة حديثة أجريت في 15 قرية بخمس محافظات انخفاض متوسط استهلاك الفرد من اللحوم والطيور والأسماك والألبان والبيض في أسر العمال الأجراء والحائزين الأجراء (وهؤلاء تحددهم الدراسة بالحائزين لأقل من فدان) بالمقارنة باستهلاك الحائزين لأكثر من 10 أفدنة كما يبين الجدول.



الفئة

متوسط استهلاك الفرد فى السنة بالكيلو

اللحوم

الطيور

الأسماك

الألبان

البيض(بيضة)

عمال زراعيون

4,5

2,4

5,6

22,4

53

حائزون لأقل من فدان

9,9

10,2

7,6

28,7

127

حائزون لا أكثر من 10 أفدنة

36,7

30,4

4,8

113,7

254

7-               تعرض الفئات الأضعف من العمالة الزراعية الممثلة فى الأطفال والنساء لدرجات أعلى من الاستغلال ، فمتوسط أجر المرأة والطفل يمثل نحو 35 % و30,5 % على التوالي من متوسط أجر الرجل. وفي ظل الدخل المنخفض الذي تحصل عليه أسر العمال الزراعيين في الريف تضطر النساء والأطفال للقبول بهذه الأجور المتدنية، وهو ما يؤدي بدوره إلى تخفيض أجور العمال الزراعيين من الرجال ، وسوف يستعرض هذا  التقرير فى الجزء الثالث حجم ظاهرة عمل الأطفال فى قطاع الزراعة.

8-               ما يعانونه من المخاطر والإصابات والأمراض التى يتعرضون لها أثناء العمل وبسببه سواء كانت تلك المخاطر والإصابات بيولوجية نتيجة الإصابة بالأمراض التى تصيب العاملين فى قطاع الزراعة التى تنتقل عن طريق ملامسة الحيوانات والطيور أو التعامل معها ، او المخاطر الطبيعية الناتجة عن العمل لساعات طويلة فى الحرارة والرطوبة، البرودة ، أشعة الشمس ، أو المخاطر الكيميائية نتيجة التسمم بمبيدات الآفات والمواد الكيميائية الزراعية، أو المخاطر الميكانيكية نتيجة التعرض للإصابة بالآلات الزراعية مثل الجرارات وآلات الحصاد التى تقف وراء أعلى معدلات الإصابة والوفاة بين عمال الزراعة  ، نهاية بحوادث الطرق أثناء نقل العمال وخاصة عمال التراحيل.ورغم كل هذه المخاطر فإنهم محرمون من أي نوع من الرعاية أو التأمين الصحي ، وسوف يستعرض التقرير فى الجزء الرابع بعض الحوادث التى راح ضحيتها نحو 79 عاملا زراعيا وأصيب أكثر من 189 آخرين.

9-               التحرش والاستغلال الجنسي الذى تتعرض له النساء على نحو خاص من أصحاب المزارع أو المقاولين أو الرجال الذين يعملون معهم خاصة عند اضطرار النساء والفتيات للعمل بعيدا عن قراهم لمدة طويلة  .

        ورغم كل تلك المعاناة التى تعانى منها العمالة الزراعية فأنها لا تشكل كتلة واحدة متجانسة ، وهو ما يعقد أساليب التعامل معها أو رصد المتغيرات الطارئة على أوضاعها ، أو حتى وضع تصورات لنضالها السياسى فى المستقبل.

     فهي تتنوع بين رجال ونساء وأطفال ويستخدم فارق الأجر بين الرجال والنساء والأطفال مع ندرة العمل وارتفاع فائض قوة العمل فى فرض شروط عمل أكثر قسوة يعانى منها الجميع وإيجاد حالة من التنافس فيما بينهم  ، حيث يلجأ أصحاب المزارع إلى استخدام الأطفال والنساء خاصة فى أعمال الحصاد والجني بأجور أقل ، فى الوقت الذى يتزايد فيه الاعتماد على الآلات الزراعية فى عمليات تجهيز الأرض والري وهو يقلل من فرص عمل الرجال ويضعهم تحت ضغوط وشروط عمل أقسى ، واستنادا إلى مسح شامل قام به الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء للتعرف على الأطفال العاملين فى مصر من الفئة العمرية من 6 إلى 14 عاما ، وجد أن أعدادهم تصل إلى نحو مليونين و 786 طفلا عام 2002 ، وقدرهم المجلس القومى التابع لأجهزة حكومية إلى أكثر من 2,6 مليون عامل يعمل معظمهم فى النشاط الزراعي بنسبة 64% ، منهم 73% ذكور و 27% إناث يعملون بأقل الأجور و 5 إلى 7 جنيهات في اليوم الواحد ، ورغم أن الكتلة الرئيسية من الأطفال العاملين يعملون فى قطاع الزراعة  فإن قانون حماية الطفل استبعدهم من حمايته بنص المادة 103.

لكن الواقع الراهن يؤكد تزايد هذه النسب بدرجات كبيرة ، كما يؤكد زيادة أجورهم إلى نحو 50 جنيهًا فى اليوم ولكن مع زيادة التضخم وارتفاع أسعار السلع الغذائية والمعيشية تقل هذه الأجور عن مثيلتها التى رصدتها دراسة المجلس فى عام 2002.

       ويهمنا أن نشير إلى أن هذا ليس هو التنوع الوحيد بين كتلة عمال الزراعة فهناك عمال معدمون أي لا يملكون إلا بيع قوة عملهم كمصدر وحيد للدخل ، وهناك عمال زراعة لديهم مصادر دخول مكملة إلا أنهم يلجأون للعمل المأجور كعمال زراعة لاستكمال احتياجاتهم النقدية ، ومنهم أصحاب حيازات قزمية وصغيرة ، أو أصحاب أنشطة اقتصادية صغيرة ومتناهية الصغر (دكان بقالة فى القرية)، بل إن  منهم من  يعمل كعمالة دائمة فى المؤسسات الحكومية كعمال خدمات أو صغار موظفين ويستكملون أيضا احتياجاتهم النقدية بالعمل الزراعي المأجور.

      أيضا هناك عمالة موسمية وهى الجزء الأكبر وعمالة دائمة ، وحتى العمالة الدائمة هناك منها من يعمل فى مزارع الرأسمالية الزراعية (فى الغالب باليومية ) وهناك من يعمل لدى الشركات الحكومية (بعضهم أيضا يعمل باليومية ) وبعضهم مثبت ويتمتع ببعض الحماية التأمينية .

        وحتى العمالة الزراعية الموسمية وهى الكتلة الرئيسية هناك من يعمل فقط فى أنشطة متعلقة بالإنتاج الزراعي وهناك من يعمل بجانب هذا ، وفى حالة مواسم انحسار العمل الزراعي فى أعمال وأنشطة حرفية أخرى يرتبط معظمها بقطاع التشييد والبناء ، بل إن تلك الانشطة قد تمارس داخل القرية ، وقد تلجأ أعداد من العمالة للمغادرة للعواصم والمدن الكبرى للبحث عن فرصة عمل أثناء مواسم  انحسار العمل الزراعي لبضعة أسابيع أو أشهر ، ثم تعود للقرية مرة أخرى .

      أما التنوع الأخير فيرتبط باتساع ظاهرة البطالة فى مصر ودخول أعداد كبيرة من الحاصلين على شهادات التعليم الفني لسوق العمل الزراعي إلى جانب الأعداد الضخمة من الأميين.

     هذا التنوع المعقد على خلفية النوع والفئة العمرية ، وديمومة العمل أو موسميته ، وتعدد مصادر دخل العامل أو أحاديته من العمل الزراعي المأجور، أو تنوع أنواع العمل بين زراعي وغير زراعي ، واختلاف أصحاب الأعمال بين حكومة وقطاع خاص ، شركات أو أفراد ، عمل مباشر أو عبر مقاول ، عمل داخل القرية أو خارجها ، هذا التنوع فى خريطة العمالة الزراعية للأسف الشديد يضعنا أمام وضع بالغ التعقيد لدراسة أوضاع العمالة الزراعية فى مصر خاصة مع غياب الدراسات العلمية لتفاصيل هذه الخريطة ، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى التعميم الخاطئ فى التعامل معها ككتلة واحدة متجانسة .

     ورغم هذا التعقد والتنوع فى خريطة قوة العمل الزراعي فإنه يمكن القول إن جميع فئاتها تعانى بشكل عام من تزايد تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ، وتعانى من أكثر شروط العمل قسوة والتى يغيب فى ظلها أي شكل من أشكال الحماية والرعاية ، كما أنها تعانى من تزايد معدلات البطالة وتضاؤل فرص العمل ، ولقد أصبح هذا القطاع المهم من قوة العمل المصرية يشكل قاعدة جيش المهمشين فى مصر الذى أصبح يموج بالغضب وعدم القدرة على تحمل مزيد من تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتدهورها.

    ورغم أن العمالة الزراعية مثلها مثل كل أبناء المجتمع المصري تعانى من أزمة فشل مؤسسات الدولة وعدم قدرتها على إنجاز عملية التحديث والتنمية ، إلى جانب تميز التاريخ السياسي والاجتماعي للمجتمع المصري على امتداد مراحله المختلفة بعلاقة غير متكافئة بين الدولة (كجهاز ومؤسسة وما تشيعه من قيم وثقافة سياسية تعضد مكانتها ) والإنسان المصري (أفراداً / جماعات) ، تلك العلاقة التي تميزت إلى درجة كبيرة بالسطوة  والاستبداد والاستغلال ومؤخرًا دخول وزارة الدفاع فى أنشطة اقتصادية عديدة تشكل نحو 30% من الأنشطة الاقتصادية التى تعتمد أنشطتها فى الأساس على جهود أبناء المصريين من المجندين ، وعلى الرغم من أن عوائد تلك الأنشطة لا تعود إلى دخول هؤلاء المجندين ، وفى أحسن الأحوال لا يتم إصدار أى معلومات حول حجم وميزانيات هذا الإنتاج الضخم أو على من تعود تلك الفوائض والأرباح ، وهو الأمر الذى يزيد من تعقيد خريطة الاقتصاد بشكل عام وقطاع العاملين بشكل خاص ودورهم الاجتماعى فى التغيير ، لهذا يعد اجتياح مؤسسات الدولة للمجال العام وتقليص المجال الخاص وعدم ضمان حمايته أحد أهم ملامح الواقع السياسى الراهن فى مصر ، إلا انه يضاف إلى هذا الظروف والواقع  الاجتماعى للعمالة الزراعية من ظروف عمل لا تسمح لها بالوجود فى جماعات كبيرة ، وغياب أي منظمات نقابية ، والعمل الموسمي الذى يتغير فيه صاحب العمل ومكانه بشكل دائم ، وارتفاع نسبة الأمية والمعاناة الدائمة من ندرة فرص العمل والانشغال الدائم بالبحث عنها..الخ كل هذه الظروف تدعم تأخر أو تراجع ظهور أي نشاط سياسي أو اجتماعي منظم لهذا القطاع من العمالة المصرية دفاعا عن مصالحها أو تحسين أوضاعها ، وبالتالى تضعف قدرتها على التأثير فى عملية صنع السياسات أو التوازن الاجتماعى بما يسمح بتحقيق جزء من هذه المصالح. هذه الوضعية تشير فى الحقيقة إلى مستقبل وأيام صعبة وقاسية تنتظر هذا القطاع من قوة العمل المصرية. 

ولا يمكن النهوض بأوضاع هؤلاء العمال إلا عبر تنظيماتهم المستقلة البعيدة عن وصاية الدولة أو الأحزاب الرجعية أو المتذيلة لسياسات السلطة الحاكمة.


ثالثاً: عمل الأطفال فى قطاع الزراعة

يعد عمل الأطفال فى القطاع الزراعى من القطاعات النوعية المهمة داخل قطاع العمل الزراعي كما تعود أهميته من ناحية أخرى إلى محاولات مؤسسات الدولة إظهار نفسها أمام أسواق التجارة العاملية بادعاء أن إنتاجها يخلو من استخدام عمل الأطفال فى الأنشطة الاقتصادية الخطرة ، أو لمحاولاتها جلب المنح الدولية باعتبار أن الأخيرة تشترط الاهتمام بقطاعات حقوق الإنسان ومن ضمنها حقوق الأطفال ، وانطلاقًا من ذلك يهتم الإعلام ومؤسسات الدولة والمجتمع المدنى بحقوق الأطفال أو النساء العاملين دون غيرهم من العمالة ، ولا يهدف هذا الاهتمام إلى تغيير سياسات الدولة أو تقوية منظمات العمال للدفاع بأنفسهم عن مصالحهم ضد رجال الأعمال وكبار الملاك الزراعيين والشركات ومؤسسات الدولة لكنه يرتبط بنطاق ضيق من الأنشطة تعتمد على المساعدات المباشرة لعدد من الأطفال ، وقد آثرنا أن نلقى الضوء على عمل الأطفال فى قطاع الزراعة باعتبارهم أكثر قطاعات العمل الزراعى معاناة واستغلالا ويتعرضون لصور كثيرة من الاستغلال تمارسها السلطات والشركات الزراعية وكبار الملاك المتحكمين فى اتخاذ القرار:

وسوف يستعرض التقرير تلك المشكلة على المستوى الدولى والمحلى وذلك على النحو التالى:

أولاً- وضع عمل الأطفال على المستوى الدولى                                       

انطلاقًا من سياسات المؤسسات الدولية بدعم المتأثرين سلبيا من تطبيق سياسات تحرير الاقتصاد باعتبارهم ضحايا، اهتمت العديد من هذه المنظمات بظاهرة عمل الأطفال حيث قدرت منظمة العمل الدولية بأن هناك نحو 250 مليون طفل بين سن الخامسة والرابعة عشرة يعملون في الدول النامية وحدها ومحرومون من التعليم المناسب والصحة الجيدة والحريات الأساسية، ويدفع كل طفل من هؤلاء ثمنا فادحا لهذه المعاناة حيث أن نحو 50% منهم أو مايقدر بــــ120 مليونًا يعملون كل الوقت في حين يدمج العدد الباقي مابين العمل والدراسة ، ويعمل نحو 70% تقريبا من الأطفال في أعمال غبر إنسانية ، وهناك من بين هذا العدد الكلي نحو 50 إلى60 طفلا بين سن الخامسة والحادية عشرة ممن يعملون في ظروف خطيرة ؛ نظرا لصغر سن هؤلاء الأطفال وهشاشة أجسادهم وهذا ما يؤثر فى حياتهم وصحتهم.

وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2000 إلى أن طفلا من أصل 8 أطفال في العالم أي 179 مليون طفل يقوم بأعمال خطرة وضارة في حين يقوم 8,4 مليون طفل بأعمال تستحق الإدانة قطعاً؛ مثل العبودية والدعارة والتجنيد والإباحية،وكشفت دراسة أعدتها المنظمة عن أن أكثر من 55 مليون طفل تحت سن 15 سنة يستخدمون كعمال في عدد كبير من الدول كدول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا ؛ حيث يشتغلون بطرق غير شرعية وفى أعمال منافية مثل الدعارة والسلاح.

  بينما تشير التقديرات العالمية لمنظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة والأمومة لعام 2002 إلى أن عدد الأطفال العاملين في العالم وصل إلى 325 مليون طفل تتراوح أعمارهم مابين 14-15 سنة ، و8 ملايين منهم يستخدمون فى الدعارة والسخرة والصراعات المسلحة.

وطبقًا لتقديرات اليونيسف هناك نحو 150 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و14 عاماً يعملون في البلدان النامية، ونحو 16% من جميع الأطفال في هذه الفئة العمرية، ينخرطون في أعمال خطرة.

وعلى الرغم من أن الأرقام الإجمالية تشير إلى أن الفتيان المنخرطين في عمل الأطفال أكثر من الفتيات، فإن العديد من أنواع الأعمال التي تنخرط فيها الفتيات غير واضحة للعيان إلا أن الكثير من الدراسات والتقارير أكدت أنهم يعملون فى الدعارة والسخرة ، كما تشير تقديرات اليونيسف عام 2011 إلى أن نحو 90% من الأطفال الذين يعملون في المنازل هم من الفتيات.

وفى سياق متصل أطلقت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) ومنظمة العمل الدولية برامج تعليمية لكي يستخدمها صانعو القرار ومصممو ومنفذو البرامج والباحثون والإحصائيون في المجال الزراعي لضمان شمول تدابير مكافحة عمل الأطفال في برامج التنمية الزراعية والريفية، وخصوصًا تلك التي تستهدف عائلات المزارعين الصغيرة. وأطلقت المنظمتان الدورة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال وتغطي الدورة التعليمية جميع القطاعات الزراعية وهي المحاصيل، والمواشي، والحراجة، ومصائد الأسماك، والزراعة المائية.

وذكر تقرير أصدرته الفاو أنه على المستوى العالمي يعمل نحو 60% من الأطفال العاملين – البالغ عددهم 100 مليون شاب وفتاة – في القطاع الزراعي، ويعمل عدد منهم في أسوأ أشكال عمل الأطفال وهي الأعمال الخطرة التي تعرض صحتهم وسلامتهم للخطر.

ويشير التقرير العالمي لعمل الأطفال عام 2002 إلى أن السبب الرئيسي في اختفاء الأرقام الحقيقية لعمل الأطفال في المنطقة العربية ؛ يعود لعدم اعتراف الحكومات بالمشكلة ، ولا تعلن عن البيانات والإحصائيات الخاصة بهذه القضيةبادعاء أن هذه البلدان لا يعمل بها أطفال ويتمتعون بجميع حقوقهم !!

هذا وقد نشطت العديد من منظمات المجتمع المدنى الدولية والإقليمية فى التفاعل مع تلك الظاهرة بدعوى العمل للحد منها أو لتحسين ظروف عمل هؤلاء الأطفال بمشاركة المعنيين بهذا المجال من مجالات حقوق الطفل حكوميين وغير حكوميين ، إلا أن تلك المجهودات خلال عشرات السنين الماضية لم تسفر عن أي نتائج إيجابية لأن أسباب المشكلة تتعلق بالسياسات العامة التى تعيد إنتاج الظاهرة وهى أسباب مازالت موجودة ولم يتم تغييرها حتى الآن ولن يتم تغييرها بالطرق التى تتبعها تلك المنظمات.

الاتفاقيات والمواثيق الدولية

لم تتوقف مجهودات المنظمات الدولية عند تنفيذ مشروعات وبرامج للحد من ظاهرة عمل الأطفال بل بادرت بإقرار اتفاقيات ومواثيق دولية وقعت عليها معظم حكومات العالم وكان من بين ذلك:

اتفاقية حقوق الطفل

•         أقرت المادة 32 من اتفاقية حقوق الطفل ، التي صادقت عليها مصر في 6 يوليو1990 بحق الطفل في "حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً أو يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي...

•         كما تلزم الاتفاقية الدولة باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لضمان تنفيذ المادة 32 بما في ذلك "وضع نظام مناسب لساعات العمل وظروفه، و"فرض عقوبات أو جزاءات أخرى مناسبة...

•         وتتعرض عدة أحكام أخرى من الاتفاقية لمعاملة الأطفال العاملين، بما في ذلك الحق الذي تضمنه الدولة في الانتفاع بـ"مرافق علاج الأمراض وإعادة التأهيل الصحي والتعليم الابتدائي الإلزامي المجاني، والراحة ووقت الفراغ وتحظر الاتفاقية تعرض أي طفل "للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة"، شأنها في ذلك شأن "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، الذي صادقت عليه مصر في ( 12 يناير 1982).

اتفاقية منظمة العمل الدولية

•         وفى السياق نفسه اعتمدت منظمة العمل الدولية في يونيو/حزيران 1999 الاتفاقية رقم 182، وهي الاتفاقية الخاصة بأسوأ أشكال عمل الأطفال، والتي تلزم الدول الأطراف فيها "باتخاذ إجراءات فورية وفعالة لضمان حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها باعتبار ذلك مسألةً عاجلة

•         أما "أسوأ أشكال عمل الأطفال"، بموجب تلك الاتفاقية، فمن بينها "العمل قسراً فى الريف المصرى أو لدى ذويهم " وكذلك "الأعمال التي يحتمل ـ إما بسبب طبيعتها أو بسبب الظروف التي تُؤدَّى فيها ـ أن تعود بالضرر على صحة الأطفال أو سلامتهم أو أخلاقهم " وهو ما يحدث عادة مع هذه الفئة باعتبارها الفئة الأضعف والأفقر!!!

•         أما أنواع العمل التي تشملها الفئة الأخيرة فتبتُّ فيها وتحددها الدول الأطراف بالتشاور مع منظمات أصحاب العمل والعمال، آخذة في اعتبارها المواثيق الدولية، خاصة توصية منظمة العمل الدولية رقم 190، بعنوان أسوأ أشكال عمل الأطفال وكانت هذه التوصية قد صدرت في عام 1999 بمصاحبة الاتفاقية رقم 182، وتنص على ضرورة النظر في عدة أمور منها الأعمال التي تعرض الأطفال للأذى البدني، و"العمل في بيئة غير صحية قد تؤدي إلى تعريض الأطفال مثلاً للمواد أو العوامل أو العمليات الخطرة، أو إلى ما يضر بالصحة من درجات الحرارة، أو مستويات الضجيج أو الذبذبات و"إلى العمل في ظروف بالغة الصعوبة، مثل العمل ساعاتٍ طويلة أو العمل الذي لا يسمح بإمكانية العودة إلى المنزل كل يوم .

وعلى الرغم من كل هذه الجهود التى تبذلها المنظمات الدولية فى إصدار الاتفاقيات الملزمة والرصد وتنفيذ المشاريع التى تستهدف تحسين حياة هؤلاء الأطفال أو وقف تشغيلهم فى الأعمال الخطرة فإن الظاهرة مازالت فى تزايد مستمر نتيجة السياسات الدولية وانحيازها لمصالح الشركات الكبرى الدولية وتوافق مصالحها مع مصالح الحكومات المحلية وللأسف وبسبب هذه السياسات تتم إعادة إنتاج الظاهرة ويتم استغلال الأطفال بشكل متواصل.

ثانياً- وضع عمل الأطفال فى مصر

أفاد مسح أجراه الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء بارتفاع معدل الأطفال العاملين حيث بلغ 86% من بين الأسر ذات الدخل المنخفض ، كما أشار المسح الديموغرافى الصحى إلى أن المستوى الاجتماعى والاقتصادي للأسر التى لديها أبناء عاملون كان أدنى من مستوى الأسر التى لا يعمل أبناؤها.

وطبقًا لأرقام نفس الجهاز عام 2013 فإن عدد الأطفال في مصر تجاوز أكثر من ثلث عدد السكان حيث بلغ إجمالي عدد الأطفال أقل من 18 سنة في مصر 30,6 مليون طفل ، ووصل عدد الذكور إلى ما يعادل 15,8 مليون طفل بنسبة 18,9٪، وعدد الإناث 14,7٪ مليون طفلة بنسبة 17,5٪، في حين وصلت نسبة الأطفال العاملين في الفئة العمرية من 5 إلي 17 سنة حوالى 9,3٪ بينما يوجد 61,9٪ من إجمالي الأطفال العاملين يعملون لدي الأسرة دون أجر، كما بلغت أعلي نسبة للأطفال العاملين في الفئة العمرية من 15 إلي 17 سنة بنسبة 88,9٪ حيث مثلت النسبة للذكور أكثر من أربعة أضعاف الإناث.

ووفقاً لإحصائيات الجهاز فإن 40٪ من الأطفال العاملين لم يلتحقوا أصلاً بالمدارس بسبب ارتفاع نفقات التعليم وعدم كفاية دخل الأسرة لتحمل نفقات التعليم و40,9٪ من الأطفال العاملين توقفوا بعض الوقت عن المدرسة، والعمل بسبب تأثير إصابات العمل مقابل 2,4٪ توقفوا تماماً عن العمل والمدرسة.

كما كشف الجهاز عن وجود 26,4٪ أطفال فقراء موزعين بنسبة 12,3٪ في الحضر و36,3٪ في الريف، وأن نسبة الأطفال الفقراء المحرومين من المأوي تمثل 13,5٪ ، و7٪ محرومون من الصرف الصحي ، ونسبة 3,6٪ محرومون من المياه النقية ، ونسبة 11,8٪ محرومون من الغذاء ونسبة 4,9٪ محرومون من التعليم.

كما أفادت نفس إحصائيات الجهاز بأن حجم عمل الأطفال  يبلغ نحو 1,6 مليون طفل، منهم 83% يعملون فى الريف مقابل 16% فى المدن، وأن 46% من إجمالى هؤلاء الأطفال العاملين يتراوح عددهم بين 15 و 17 سنة ، وأن 78% منهم من الذكور و 21% من الإناث ، وأن عدد ساعات العمل التي  يقضيها هؤلاء الأطفال في العمل  تتعدي أكثر من 9 ساعات يومياً في المتوسط ، وأكثر من ستة أيام في الأسبوع ، أي أن  عدد ساعات العمل  بالنسبة للطفل قد يتجاوز عدد ساعات عمل للكبار.

 ووفقا لدراسات عديدة لمنظمات غير حكومية ، فإن حجم عمل  الأطفال يبلغ نحو 3 ملايين عامل ، وطبقا للمسح  القومي لظاهرة عمل الأطفال في مصر والصادر عن المجلس القومي للطفولة والأمومة فإن  هناك 2,76 مليون طفل عامل في مصر، يمثلون نحو ٢٦% أي أكثر من خمس الأطفال في الشريحة العمرية من ١٦:١٤ سنة.

وفى هذا السياق قدرت منظمة العمل الدولية حجم الأطفال العاملين بقطاع الزراعة بنحو 2,2 مليون طفل، بنسبة تصل  إلى 26% من إجمالى العاملين فى مصر.

ورغم تباين  الإحصائيات  السابقة وعدم دقتها فإن جميعها يشير إلي ارتفاع حجم عمل الأطفال في مصر.

وطبقًا لهذه الأرقام فإن التناقض يبدو واضحاً في تلك الإحصاءات حتي تلك الصادرة من جهات حكومية.

ومن ناحية أخرى يتعرض الأطفال العاملون لصور عديدة من الاستغلال وإساءة المعاملة والإهانة والممارسات غير الأخلاقية من خلال تشغيلهم في أعمال غير مؤهلين لها جسدياً ونفسياً ، كما تتعرض الفتيات منهم لأبشع وسائل الإيذاء الجسدى والنفسى.

وأكد تقرير الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء تعرض الأطفال العاملين لظروف عمل غير إنسانية حيث يتعرضون لفترة طويلة من الانحناء وتتعرض صدورهم للغبار والأدخنة ، وتتعرض أجسادهم للبرودة أو الحرارة الشديدة، فضلا عن التعرض للمواد الخطرة من المواد الكيماوية، والمبيدات والأصباغ، فضلا عن عدم توافر دورات مياه ، والتعامل مع معدات خطرة، وتجدر الإشارة إلى أنه فيما يتصل بالعمالة المنزلية أو "الخدمة المنزلية"، فلا تتوفر أي بيانات حولها نتيجة كونها مهنة تتم في الخفاء، ويصعب تقديرها نظرا لاستثناء قانون العمل لحقوق هذه الفئة المهمة، وأكثرهم من الفتيات الأطفال.

كما كشف الجهاز عن أن الكثير من عمل الأطفال يدور في المهن اليدوية والخطرة والمتعلقة علي سبيل المثال بإصلاح السيارات أو العمل في مجال المعمار والبناء أو الإنشاءات أو أعمال الزراعة الشاقة أو المحاجر التي يرتادها معظم الأطفال في الصعيد بسبب ارتفاع الأجرة اليومية التي تقدم لهم بالقياس للعمل الزراعى.

كما كشفت دراسة حديثة لوزارة القوي العاملة عن أن الفقر والجهل وراء تفشي تلك الظاهرة حيث يعمل الأطفال في ظروف صعبة تعرض حياتهم للخطر ويعملون فترات طويلة تتجاوز أوقات العمل للكبار من العمال.

وأوضحت تلك الدراسة أن جميع الأطفال العاملين تقريباً لا يتمتعون بأي حماية قانونية ويعملون بصورة غير رسمية ودون وثائق عمل أو شهادات صحية وأن ثلث هؤلاء يعانون من المعاملة السيئة ويتعرضون لأشكال مختلفة من العنف الذي يلقونه من أصحاب الورش والعمل والمشرفين عليهم.

ويعمل الأطفال العاملون بقطاع الزراعة في معظم العمليات الزراعية بداية من إعداد الأرض وزراعة التقاوي والشتلات إلى العزيق بالمنقرة ونقاوة الحشائش والري والتسميد والمشاركة في رش المبيدات أو مقاومة دودة ورق القطن حتي جمع وحصاد المحاصيل بالإضافة إلي عمليات مابعد الحصاد مثل الفرز والتدريج والتعبئة ونقل تلك العبوات، بالإضافة إلي تطهير حظائر المواشي ونقل التربة أي يقومون بالأعمال التي يجب أن يقوم بها العمال الكبار ولكن بأجور زهيدة وهي أعمال شاقة وفي ظروف قاسية وخطيرة تعرضهم للمخاطر (عاهات ـ إصابات عمل(

وتؤثر فى قدراتهم الجسمانية وحالاتهم الصحية وإصابتهم بالتسمم وبالأمراض المختلفة (الالتهابات الصدرية ، الالتهاب الكبدي ، البلهارسيا ، الأمراض الجلدية ،..إلخ) هذا بالإضافة إلى العمل في الورش الموجودة بالقري.

بالإضافة إلي أن "أطفال التراحيل" الذين يبحثون عن فرص العمل خارج قراهم ويضطرون إلي الإقامة في معسكرات بالقرب من المشروعات التي يعملون بها أو ينتقلون إليها بحثا عن فرص العمل المتقطعة فيتم نقلهم في عربات أو معديات متهالكة وغير مأمونة ويتعرضون للحوادث حيث قتل نحو 79 عاملاً زراعيًا معظمهم من الأطفال خلال الفترة من 1/1/2016 حتى 30/9/2016 ، هذا فضلا عن عشرات الحوادث الأخري على الطرق الزراعية والمعديات وبالمزارع والتي راح ضحيتها عدد كبير من هؤلاء الأطفال.

وقد تبين من دراسة أجريت عام 2000على أكثر من مليون طفل يستخدمون موسميا كعمال لجمع القطن فوجد أنهم يعملون بشكل نمطي 11ساعة يوميا وسبعة أيام أسبوعيا فى درجات حرارة تصل  40درجة مئوية ، أيضا عمل الأطفال فى حقول القطن بعد رش المبيدات الحشرية الخطيرة بفترة وجيزة يعرضهم للعديد من المخاطر الصحية، وأن جميع الأطفال أبلغوا عن تعرضهم بشكل روتيني للضرب بعصا خشبية من جانب مشرفي العمال.

كما يتعرض الأطفال العاملون في خدمة المنازل للإهمال والاستغلال والقهر والحرمان؛ حيث يعملون ساعات عمل كثيرة وغير محددة ، كما إنه غالبا ما يتعرض الطفل للإيذاء النفسي والبدني بالضرب والإهانة وغالبا العدوان الجنسى أيضا وفى بعض الأحيان تتعرض الفتيات للاستغلال أسوأ من الفتيان.

كما تشير العديد من الدراسات التى تناولت هذه الظاهرة إلى العديد من المخاطر التى يتعرض لها الأطفال العاملون بالزراعة ومنها على سبيل المثال :-

1-   ظروف وشروط عمل شاقة تتضمن مخاطر حقيقية ، مثل استخدامهم لأدوات عمل تسبب لهم الإصابات ( الجروح والكسور ) وتعرضهم لمخاطر التعامل مع المبيدات الزراعية ( التسمم والأمراض الخطيرة ) وكذلك للمخاطر الناتجة عن طول يوم العمل ، والإرهاق الشديد ، والمعاملة السيئة من المشرفين ، وأصحاب العمل ، وما يصاحب كل ذلك من أمراض مزمنة.

2-   الاستغلال الاقتصادى ، والذى يتجلى فى عدد من الأوضاع مثل بدء العمل فى سن مبكرة ( أقل من 7 سنوات ) ، وهو ما يمثل تحديا صارخا لأحكام قانون الطفل , واستمرار ظاهرة مقاولى الأنفار ( يستحوذون على جزء من أجر الأطفال ) ، وانخفاض أجور الأطفال ، وزيادة عدد ساعات العمل اليومية بالمخالفة لأحكام قانون الطفل ومستويات العمل الدولية . وحرمان الأطفال من كافة أشكال الحقوق المتعلقة بالأجازات والراحات الأسبوعية ، وحقهم فى الحصول على أجورهم عنها وذلك بالمخالفة للاتفاقيات الدولية والتشريع المصرى.

3-   مخاطر طبيعية مختلفة ( العوامل والظروف المناخية ، الحر الشديد ، البرد الشديد ...إلخ ) ولمخاطر كيميائية وبيولوجية . وتؤثر هذه المخاطر فى الأطفال ( إصابتهم بضربات الشمس والدوخة ، والإغماء بسبب عدم توفر وسائل الحماية من الشمس).

4-   وتعد الأعمال المشار إليها سابقًا التى يقوم بها الأطفال فعلاً من أسوأ وأخطر أشكال العمل التى يقوم بها الأطفال ، والتى تلحق أفدح الأضرار بسلامتهم وصحتهم . ويضاعف من الضرر غياب الرعاية الصحية الكافية وفضلاً عن عدم توافر وسائل الوقاية والحماية وعدم قيام أصحاب العمل بإجراء الفحص الطبى الدورى على الأطفال بالمخالفة للتشريعات العالمية والمحلية وكذلك عدم توافر الخدمات الضرورية فى أماكن العمل ( المياه النقية ، دورات مياه ، الوجبة الغذائية ، المواصلات الآمنة ...الخ ).

ثالثاً: ملاحظات على الإطار القانونى المنظم لعمل الأطفال فى مصر

أ‌-     قانون الطفل

رغم الدعاية الحكومية وغير الحكومية بإيجابية قانون الطفل الذى جمع شتات التشريعات الخاصة بالطفولة فى مدونة واحدة، فإنه لم يتضمن تعديلات جذرية تسهم فى وقف استغلال الأطفال ، بل إن هذه التعديلات لا تزال متعارضة مع المعايير الدولية بشأن عمل الأطفال، فالقانون يحتفظ بذات الأحكام المتعلقة بعمل الأطفال فيما عدا حكمين:

الأول: رفع سن الطفولة إلى 18 سنة تماشياً مع اتفاقية حقوق الطفل.

الثانى: رفع سن عمل الأطفال من 12 سنة إلى 14 سنة.

ولكن مع استثناءين خطيرين:

- السماح بتدريب الأطفال اعتبارا من 12 سنة، وهى ثغرة يتسلل منها أصحاب الأعمال لتشغيل الأطفال واستغلالهم عند هذه السن تحت ذريعة تدريبهم.

- السماح للأطفال بين 12 – 14 سنة بالاشتغال فى أعمال موسمية لا تضر بصحتهم، أو نموهم العقلى، أو تخل بمواظبتهم على الدراسة.

ويتضح أن الأعمال الموسمية تكون عادة فى الزراعة التى لا يخضع العاملون بها صغاراً أو كباراً لأحكام قانون العمل.

ب‌-   قانون العمل

يعد قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 أسوأ تشريع اجتماعى فى الخمسين سنة الأخيرة، وقد جاء ليواكب تطور سياسات التحرر الاقتصادى فى مجال علاقات العمل، إذ يتحول العمل إلى سلعة تخضع لآليات السوق، ويجرى التوسع فى مجال العمالة المؤقتة، وإطلاق حرية فصل العمال وإزالة العقبات التى كانت تحد من ذلك، وتجريد العمال من أي إجراءات حمائية، ومصادرة حق الإضراب والتجمع عملياً...

وجرى إخضاع الأطفال العاملين لأحكام قانون العمل، بما يجعل أوضاعهم أسوأ عن ذى قبل ، وقد سارت أوضاع الأطفال العاملين بسبب النصوص الحمائية التى يتضمنها القانون حيث تعد أقل فى مستوياتها عن النصوص المقررة فى قانون الطفل رقم 12 لسنه 96.

إذ خفف القانون سن الطفولة إلى 17 سنة بينما هو فى قانون الطفل 18 سنة، ويتعارض هذا النص أيضاً مع اتفاقية حقوق الطفل التى تعرف الطفل بأنه كل إنسان لا يتجاوز سن الثامنة عشرة من عمره.

وقد جعل القانون سن العمل 14 سنة، وهو ما يتعارض مع إعادة السنة السادسة إلى مرحلة التعليم الابتدائى حيث تصبح السن 15 سنة عند انتهاء التعليم الأساسى، كذلك فإن تشغيل الأطفال اعتباراً من 14 سنة يتعارض مع بعض المزايا التى يتمتع بها العامل فى مجال التأمينات والحماية النقابية إذ إن سن الالتحاق بالنقابات هى 15 سنة وسن التأمين الاجتماعى على العامل هو 18 سنة كما يتعارض القانون فى شأن سن العمل مع اتفاقيتى العمل الدولية الصادرتين عام 1973 والأولى رقم 138 والتى ترفع الحد الأدنى لسن العمل فى سائر الأنشطة الاقتصادية صناعية وغيرها إلى 15 سنة وأجازت تخفيضه إلى 14 سنة بالنسبة للدول النامية وحظرت تشغيل الأحداث فى الأعمال التى يحتمل أن تشكل خطورة على صحتهم قبل 18 سنة ، والثانية رقم 146 وأوصت برفع الحد الأدنى لسن تشغيل الأطفال إلى 16 عاماً وأن تتخذ الدول النامية الإجراءات الكفيلة بعدم تشغيل الأطفال قبل 15 سنة فى أى نشاط اقتصادى.

ويستثنى قانون العمل أيضًا العاملين فى الزراعة (الفلاحة البحتة) من الخضوع لأحكامه، بما يعنى تجريد الأطفال العاملين فى هذا النشاط من الحماية.

وفيما عدا ذلك فإن قانون العمل يتضمن الأحكام الواردة بقانون الطفل ذاتها فى مجال حظر عمل الأطفال دون 14 سنة، وعدم تشغيلهم أكثر من 6 ساعات يومياً، وعدم تكليفهم بإعمال إضافية، أو تشغيلهم أيام الراحات والإجازات .

وهذا وقد جاء قانون العمل مكرسا لجميع أشكال استغلال الأطفال ومنتهكاً للمادة 32 من اتفاقية حقوق الطفل التي تقضى بحق الطفل في الحماية من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يعوق تعليمه أو يكون ضاراً بصحته ونموه.

وقد استثنى قانون العمل فى المادة ( 4 ) من الباب الأول الأطفال العاملين في خدم المنازل والأطفال العاملين لدى ذويهم ، وكذلك المادة ( 103 ) الفصل السادس استثنت الأطفال العاملين بالزراعة بالرغم من أنهم الشريحة الكبرى من عمل الأطفال في مصر.

كما جاء التدرج فى القانون كباب خلفي لعمل الأطفال دون أي ضوابط أو محددات للسن للمتدرجين أو طبيعة الأعمال التي سيقومون بها حيث نصت المادة 141 من قانون العمل في الباب الخامس " يعد متدرجا كل من يلتحق لدى صاحب عمل بقصد تعلم مهنة أو صنعة " وأعطت المادة 143 لصاحب العمل الحق في إنهاء اتفاق التدرج إذا ثبت لديه عدم صلاحية المتدرج أو عدم استعداده لتعلم المهنة أو الصنعة بصورة حسنة وهو الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لتشغيل الأطفال واستغلالهم وإنهاء عملهم وقتما يشاء صاحب العمل.

ج- قانون النقابات العمالية

اعتبر قانون العمل أن الأطفال العاملين من سن 14 إلى 18 جزء من القوى العاملة وأخضعهم لأحكام هذا القانون ، لذا فهناك ضرورة لتوفير الحماية النقابية لهم خاصة أنهم محرومون من المشاركة الفاعلة داخل التنظيم النقابى ، حيث إن قانون النقابات رقم 35 لسنه 1976 وتعديلاته، وكذلك قانون العمل يجعلنا نلحظ عكس ذلك. فقانون العمل نظم عمل الأطفال بالفصل الثانى من الباب السادس تحت عنوان (تشغيل الأحداث) حيث ذهب المشرع فى هذا الفصل إلى تنظيم أحوال وظروف عمل الأطفال من سن الثانية عشرة حتى السابعة عشرة ، أما من هم دون سن الثانية عشرة فقد ذهب المشرع إلى حظر تشغيلهم أو تدريبهم.

وعلى الرغم من ذلك ومنذ زمن فإن آلاف الأطفال يعملون دون هذه السن فى منشآت عديدة ، وقد اتجهت الدولة فى تشريعاتها إلى الاكتفاء بالنص على حظر تشغيلهم وتدريبهم ، بل إن المشرع عندما وضع العقوبات المتعلقة بمخالفة نصوص القانون وضع عقوبات للحظر الوارد فى الفصل الأول من الباب السادس ، وكذلك للفصل الثالث من الباب نفسه وجاء على الفصل المتعلق بالأحداث وهو الفصل الثانى من الباب نفسه ولم يضع أى عقوبات.

الأمر الذى أدى إلى استمرار عمل الأطفال دون هذه السن ، واستمرار استغلالهم دون أى حماية قانونية تذكر.

كما اشترط القانون مرحلة عمرية معينة للانتظام داخل النقابات ، ثم مرحلة عمرية أخرى للتمتع بعضوية الجمعية العمومية وأحقية الانتخاب، ثم مرحلة عمرية ثالثة للتمتع بأحقية الترشيح لمجالس إدارة المنظمات النقابية . ومن هنا كان يحق عليه مادام سمح بتشغيل الأطفال أن يعطيهم الحق فى عضوية المنظمة النقابية وحق الانتخاب والترشيح لمجلس إداراتها ماداموا قد صاروا أعضاء بها.

وجدير بالذكر أن جميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالنقابات لم تحدد أى سن للانضمام للنقابات ولم تشترط مرحلة عمرية معينة للترشيح لعضوية مجلس إدارة المنظمات النقابية.

د- قانون التأمينات الاجتماعية

يشترط للخضوع لقانون التأمينات الاجتماعية أن يكون سن المؤمن عليه 18 سنة فأكثر، سواء كان يعمل بالحكومة أو القطاع الخاص، وقد فسر البعض هذا بأن الغرض من ذلك عدم الإثقال على أصحاب العمل ، وأن الحدث لن يضار لأن أجره قليل ونسبة اشتراكه ضئيلة...

وتسقط هذه المادة الجائرة الحماية التأمينية عن الأطفال العاملين من سن 12 : 18 سنة ، كما أن ظروف الفقر التى يعيش فيها أكثر من 50% من المصريين ستؤدى إلى الدفع بالمزيد من عمل الأطفال , لذا كان واجب على المشرع تعديل هذه المادة حتى تمتد الحماية التأمينية لكل الأطفال والأحداث الذين يعملون.

تعويض إصابات العمل للعمالة المتدرجة والتلاميذ الصناعيين

رغم أن القانون 79 لسنة 1975 أكد أن تسرى أحكام تأمين إصابات العمل على العاملين الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة والمتدرجين والتلاميذ الصناعيين والطلاب المشتغلين فى مشروعات التشغيل الصيفى ، لكنه جاء فى نص المادة ( 54 ) من قانون التأمينات الاجتماعية رقم 79 لسنه 1975 وأكد أن يكون معاش العجز الكامل أو الوفاة لمن لا يتقاضى أجرا من هذه الفئات عشرة جنيهات شهريًا !!! وبالتالى أخرج كل العمالة الموسمية وغير الرسمية من أحكامه.

ويسرى فى شأن هذا المعاش حكم المادة (51) الفقرة الثانية حيث يزداد المعاش بنسبة 5% كل خمس سنوات حتى بلوغ المؤمن عليه سن الستين .. طبعاً إذا كان الطفل أو العامل غير الرسمى مؤمناً عليه – وإذا قلت نسبة العجز عن 100% فلا يستحق معاشاً أو تعويضاً ..

وبالتالى أعفى المشرع أصحاب الأعمال الذين يتدرب لديهم هؤلاء المتدرجون من سداد اشتراكات التأمين الاجتماعى تشجيعاً لهم على إلحاقهم بالعمل فى منشآتهم لتعلم مهنة إذا كانوا لا يتقاضون أجراً ..

ولكن المشرع أغمض عينيه عن الذين يتقاضون أجرا وهم الأغلبية الكاسحة من العمال غير المنتظمين أو المؤقتين ... وتقع مسئولية حصرهم على إدارات تفتيش العمل ، وهى إجراءات ضعيفة الإمكانيات البشرية ولا يمكن تطبيقها فى ظل انتشار الفساد والمحسوبية.

ناهيك عن أنه فى كثير من الأحوال يدعى صاحب العمل أن هؤلاء من أفراد أسرته ، فضلاً عن سهولة إخفاء هؤلاء الأطفال فى أى أماكن مجاورة ، وهم لا يخضعون لقواعد الفحص الطبى الدورى التى تفرضها قوانين الوقاية من أمراض المهنة ويسقط الكثير منهم صرعى الأمراض فى سن مبكرة تخرجهم من سوق العمل حيث إن 25% من إصابات العمل تقع بين الأطفال.

وختامًا يود المركز أن يؤكد أنه ورغم كل جهود المنظمات الدولية واتفاقياتها وتوصايتها ومؤتمراتها والتزام الحكومة المصرية بتنفيذ بنودها ومع كل أدوار المؤسسات الحكومية والأهلية فى مصر لتحسين ظروف عمل الأطفال أو وقف استغلالهم ورغم صدور التشريعات والدساتير التى تؤكد حماية حقوق الأطفال العاملين ، فمازال أطفالنا يتم استغلالهم من قبل أصحاب الأعمال بسبب سياسات حكومية تنحاز لمصالح رجال الأعمال والفاسدين ، وتعيد إنتاج هذه الظاهرة ليس لشىء إلا لأن مجهودات كل هذه المؤسسات لا تهدف إلى تغيير السياسات بل تهدف إلى معالجتها وعيوبها وتتعامل مع الأطفال العاملين كضحايا وأرقام وبالتالى تتغافل عن إنشاء وتقوية ودعم تنظيماتهم المستقلة التى يمكنها وحدها وقف استغلال أصحاب الأعمال وتحسين شروط حياة كل العاملين بأجر.


رابعاً: حوادث العمال الزراعيين (عمال التراحيل)

منذ ظهور الملكية الخاصة لا يعرف عمال الزراعة معنى للرفاهية وهم يدورون ويعملون كل يوم للحصول على قوت يومهم ، وعلى مدار التاريخ الطويل تم تجاهل حقوقهم واستبداد السلطات ضدهم واستغلالهم ليس لشىء إلا لضعف وعيهم بطرق الخلاص وصنع مستقبل أفضل لحياتهم.

وأغلب هؤلاء العمال من كبار السن أو الأطفال أو النساء ، يستهلكون صحتهم فى الأعمال الشاقة، ويوجدون على أرصفة الشوارع فى القرى والمدن على مدار 11 ساعة فى انتظار أن يرفق بحالهم مقاول الأنفار ليأخذهم للعمل فى إحدى المزارع الكبيرة أو العمارات ليسدوا رمقهم ورمق أسرهم.

وليت الحال يصل بهم إلى هذا الحد من المعاناة ، بل إنهم أول من يموتون فى حوادث الطرق نتيجة للسياسات التى ترفض معالجة أسباب المشكلة وتربطها فقط بالإهمال والرعونة وعدم صلاحية المعديات أو السيارات التى تنقلهم من بيوتهم إلى المزارع أو العكس.

ولا تزال الطرق في مصر تحصد أرواح الآلاف من المواطنين الأبرياء، فلا يكاد يمر يوم حتى نفاجأ بكارثة تحل علينا من جديد تحصد أرواح الصغير والكبير، ينتج عنها ضحايا وخسائر اقتصادية فادحة، بينما تطير تصريحات المسئولين عن أهمية تطوير الطرق فى الهواء حيث لا تسمن ولا تغني من جوع، حتى أصبحت أرواح المواطنين بلا قيمة.

فلا عجب من تصدر مصر قائمة دول العالم في حوادث الطرق، برصيد من الضحايا يزيد على 15 ألف قتيل سنويًا ونحو 50 ألف مصاب، ويأتي ذلك بسبب رعونة القيادة وسوء حالة الكثير من الطرق وتهالك السيارات ووسائل النقل المختلفة والسياسات الحكومية المنحازة للتجار والفاسدين والتى ترفض عن عمد تحديث وتطوير وتنمية أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية.

ويذكر أنه قد وقعت في السنوات الماضية حوادث قطارات قتل فيها ركاب بأعداد كبيرة، بسبب تراخٍ في تطبيق معايير السلامة والصيانة للقطارات وإشارات المرور ومع ذلك تتكرر مثل هذه الحوادث وتتكرر التصريحات دون أمل فى الاصلاح.

وبحسب آخر إحصائية معلنة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) عام 2011، فإن مصر أعلى دولة في منطقة الشرق الأوسط، من حيث نسبة الإصابات، والوفيات الناتجة عن حوادث الطرق والتى بلغ عدد الوفيات في ذلك العام 7115 حالة، بمعدل 8,8 حالة لكل 100 ألف نسمة، وبمعدل 19,5 حالة وفاة كل يوم.

وفى هذا السياق يرصد مركز الأرض جزءًا من معاناة هؤلاء العمال أثناء انتقالهم من بيوتهم إلى المزارع أو العكس فى سيارات أو بمعديات متهالكة وذلك خلال الفترة من 1/1/2016 حتى 30/9/2016 ، ويكشف التقرير عن مقتل 79 عاملا زراعيا ما بين عمال وعاملات بالغين وأطفال وفتيات وإصابة 190 آخرين وكان هناك بعض الحوادث ناجمة عن تسمم غذائى أو نشوب حريق فى إحدى المزارع.

وتركزت الحوادث بمحافظات عديدة واحتلت محافظة البحيرة أعلى نسبة حوادث وكان نصيبها "10" حوادث، ومحافظة بنى سويف "3" حوادث، ومحافظة المنوفية حادثتين، وكل من محافظات البحر الأحمر وكفر الشيخ والجيزة وأسيوط والإسماعيلية والمنيا والشرقية حادثة واحدة.

وجاءت محافظة البحيرة كأعلى نسبة للحوادث (10 حوادث)، ومحافظات البحر الأحمر وكفر الشيخ والجيزة وأسيوط والإسماعيلية والمنيا والشرقية أقل نسبة (حادثة واحدة).

وكانت أهم الجرائد والمواقع التى رصدت تلك الحوادث هى اليوم السابع ، مباشر ، أخبار مصر ، المصرى اليوم ، الموجز ، بوابة الأهرام، مصراوى، أسرار الأسبوع ، مصر العربية ، صدى البلد ، البحيرة نيوز.

ووقعت تلك الحوادث على مدار الفترة التى يغطيها التقرير ففى شهر يناير وقعت "7" حوادث، وشهر مارس وقعت حادثة واحدة، وشهر إبريل وقعت حادثتان، وشهر مايو وقعت "3" حوادث، وشهر يونية وقعت "5" حوادث، وشهر يوليو وقع حادث واحد، وشهر سبتمبر وقعت "3" حوادث، وبذلك احتل شهر يناير أعلى نسبة حوادث (7 حوادث)، وشهر مارس ويوليو أقل نسبة حوادث ولم تقع حوادث بشهور فبراير وأغسطس.

والمركز على يقين بأن عدد الحوادث التى يتعرض لها العاملون بقطاع الزراعة تزيد على ذلك بكثير، لأن هذه الفئات لا يهتم بحقوقها إعلام مؤسسات الدولة المشغول بدعم أصحاب الشركات وكبار الملاك، فنادرًا ما يشير إلى مثل هذه الحوادث وإن أشارت إليها إحدى الجرائد فيكون على حرج وفى صفحة الحوادث وفى مكان لا يمكن رؤيته.

واستكمالاً لتجاهل هذا الإعلام لمشكلات هؤلاء العاملين فإن معظم الأخبار أشارت إلى أنه جارٍ عرض المصابين والجثث على النيابة ولم تذكر قرارات النيابة التى تحقق مع الضحايا! ، وذكرت بعض الجرائد أنه تحرر محضر بذلك ولم تهتم جرائد أخرى بذكر معلومة المحضر! ، كما اهتمت جرائد برصد نقل الجثث للمشرحة والمصابين للمستشفيات، ولم تهتم كل الجرائد برصد أسباب تلك الحوادث وتكرارها ومسئولية أصحاب الشركات والمزارع عنها، ويتسق ذلك مع رؤية الإعلام بتجاهل حقوق هؤلاء العاملين.

ونظرًا لوقوع حوادث معديات كثيرة خلال العام راح ضحيتها مئات المواطنين ومن بينهم عمال زراعيون فقد اهتمت بعض الجرائد بعمل بعض التحقيقات عن حالة المعديات التى تزيد على آلاف المعديات التى تصل بين شطى النيل ، والتى أكدت جميعها تهالك هذه المعديات وعدم صيانتها أو تجديد رخصها وعدم صلاحيتها للعمل، وعدم الرقابة أو التفتيش من الجهات الحكومية المختلفة والمسئولة عن سلامة النقل لدرجة أن إحدى الجرائد تناولت تلك الأخبار تحت عنوان "نعوش عائمة فى مياه النيل".

وطبقًا لمعظم الأخبار التى تناولت تلك الحوادث ، فإن الخبر لا يتناول إلا عدة أسطر عن المعلومة المتعلقة بمقتل كذا عامل وإصابة آخرين ، ويتناول باقى الخبر السبب الواهى للحادثة وهى رعونة السائق أو تهالك وسائل النقل أو الإهمال، ولم يتناول من بعيد حجم الكارثة وأسبابها ومسئولية الحكومة وأصحاب المزارع والشركات عن تكرارها وإعادة إنتاجها ، ثم يتواصل الخبر ليرصد مجهودات رجال الشرطة الذين قاموا بتحرير المحضر لإثبات الواقعة! ، ويستعرض مجهود المسئولين الحكوميين الذين تابعوا نقل الضحايا إلى المستشفيات وفى أحسن الأحوال تعزية أهاليهم.

ولا غرو فى أن تقوم الصحيفة بتمجيد أحد المحافظين أو الوزراء الذين تحركوا ليدفعوا لأهل العامل المتوفى عدة آلاف من الجنيهات وهكذا كانت كل الأخبار تقريبًا!

وتكشف هذه الرؤية الانحيازات المفضوحة للإعلام ومؤسسات الحكومة لأصحاب الشركات والمزارع الكبيرة التى ينتقل إليها هؤلاء العمال للعمل فيها ومسئوليتهم عن نقلهم الآمن من بيوتهم إلى المزارع والعكس.

بل إن قانون العمل الذى يتواطأ هو الآخر على حقوق العمال الزراعيين يرفض طبقا لنصوصه صرف تعويضات أو معاشات لأن هؤلاء العمال لا يتمتعون بأى حماية قانونية فلا عقود عمل ولا تأمين اجتماعى أو صحى ولا حتى هناك شهود تؤكد أنهم كانوا ذاهبين إلى العمل فى شركة أو مزرعة فلان صاحب النفوذ والأطيان ، الأمر الذى اضطرنا إلى تلخيص الخبر لخلوه من المعلومة وحذف كل الأكاذيب الأخرى التى فردت لها الأخبار المنشورة عدة أسطر فى استعراض لأدوار أجهزة الشرطة ووكلاء النيابة والمحققين.

وعلى جانب آخر لم تهتم أى من الأحزاب أو النقابات بأى من هذه الحوادث أو معالجة أسبابها نظرًا لانشغال معظم الأحزاب بقضايا الديمقراطية والحقوق المدنية ، كما كشفت الأخبار عن عدم اهتمام الأحزاب بتوعية هؤلاء العمال ليشكلوا تنظيماتهم المستقلة ، ولم يبذلوا جهودًا بحثية لدراسة أوضاع تلك العمالة ودراسة أماكن تواجدهم وطبيعة عملهم وحجم مشاكلهم أو للتواصل معهم لتمكينهم من تشكيل تنظيماتهم التى من دونها لا يمكن تحسين أحوال العمال الزراعيين للأفضل.

ورغم جهود الجمعيات الأهلية والمؤسسات العاملة فى هذا المجال فى رصد مشاكل العمال الزراعيين فإن حجم الظاهرة يتزايد وظروف عملهم تزداد سوءًا وتدهورًا ، وهذا ناتج من رؤية هذه الجمعيات لهذه القطاعات التى تعدها مادة لأنشطتهم وفى أحسن الأحوال تسعى لتحسين أوضاعهم عن طريق الهبات والمساعدات المباشرة دون أن تهتم بمساعدتهم لتشكيل تنظيماتهم المستقلة التى يمكنها وحدها أن توقف استغلال أصحاب الشركات وملاك المزارع الكبيرة وفساد وإهمال السلطات، الأمر الذى يؤكد ضرورة تشكيل تلك القطاعات لتنظيماتها المستقلة للتمكن من الدفاع عن مصالحها لوقف استغلالهم من قبل أصحاب الأعمال أو مؤسسات الدولة.

وسوف نستعرض فى عجالة أهم الأخبار التى جاءت بالصحف خلال الفترة التى يغطيها التقرير وذلك على النحو الآتى:


بتاريخ 1/1/2016 لقى 15 شخصًا على الأقل حتفهم إثر غرق عبارة سنديون التابعة لمركز فوه بكفر الشيخ1 والمنتهية ترخيصها وكان من بين الغرقى عدة أطفال كانوا ذاهبين إلى عملهم فى المزارع، والجدير بالذكر أن معظم الغرقى كانوا يعبرون من شاطئ قرية ديروط التابعة لمركز المحمودية بمحافظة البحيرة إلى قرية سنديون للعمل فى مزارعها.

لقى شخصان مصرعهما وأصيب 17 آخرون بجروح وسحجات وكدمات[2] إثر وقوع حادث تصادم بين سيارتين نقل عند الكيلو 90 بدائرة قسم شرطة غرب النوبارية.

وبالانتقال والفحص تبين حدوث تصادم سيارة نقل محملة بالعمالة الزراعية وسيارة نقل أخرى.

وأسفر الحادث عن وفاة عاملين زراعيين وهما " فارس إبراهيم أحمد شعبان، 16 سنة، وحمدي أحمد حسب الله، 20 سنة ، ويقيمان بكوم الفرج بمركز أبو المطامير،"  وكذا إصابة (17) من الأطفال العاملين بالزراعة بكسور وجروح وكدمات واشتباه مابعد الارتجاج ، ويقيمون جميعًا بكوم الفرج مركز أبو المطامير.

وتم نقل الجثتين لمشرحة مستشفى النوبارية العام والمصابين لمستشفى جراحات اليوم الواحد بوادي النطرون للعلاج، وتحرر محضر بذلك.

بتاريخ 25/1/2016  لقي عامل زراعى مصرعه وأصيب 6 آخرون بحالة تسمم غذائى داخل مزرعة بمركز بدر بالبحيرة[3]

وقد تلقى مركز شرطة بدر من مستشفى الرسالة التخصصى بمدينة بدر إخطارا بوصول كل من ا . ز . ا (28 عاما) جثة هامدة , وم . ا. إ (35 عاما) , أ . ع . ع (12 عاما) , ع . ع . ش (37 عاما) وغيرهم من المصابين ويقيمون بكفر الشيخ  وجميعهم عمال زراعيون بمزرعة موز بمركز بدر مصابين بحالة إعياء شديد وآلام بالبطن (ادعاء تسمم غذائي)  وتم تحويلهم لمستشفى المنشاوى التخصصى بطنطا.

وقرر مالك المزرعة تناول المتوفى والمصابين ثمار الموز من المزرعة التي بها آثار رش مبيدات وعقب ذلك شعروا بحالة إعياء وتم نقلهم للمستشفى ولم يتهم أحد من أهاليهم وتحرر المحضر اللازم وأخطرت النيابة العامة فتولت التحقيق.

فى يوم واحد توفى 27 ضحية حصيلة عدة حوادث وذلك[4] بتاريخ 31/1/2016 حيث توفى ستة مواطنين، وإصابة ثلاثة آخرين في حادث تصادم قطار بسيارة بمركز العياط، بمحافظة الجيزة اليوم الأحد.

وبالمعاينة الأولية للحادث أظهرت أن عامل المزلقان لم يكن قد وضع السلاسل وسمح لسيارة ربع نقل بالمرور فاصطدمت بالقطار وكانت السيارة تنقل بعض العمال الزراعيين إلى الحقول.

كما وقع حادث تصادم لأكثر من 25 سيارة على طريق الجيش الصحراوي[5] الشرقي ببني سويف أسفر عن وفاة 15 شخصًا و20 مصابًا، وقامت سيارات الإسعاف بنقل المتوفين والمصابين إلى المستشفى لاتخاذ الإجراءات اللازمة وكان من بينهم عدة عمال رزاعيين.

وفي البحيرة لقي مواطنان مصرعهما، وأصيب 16 آخرون[6] في حادث تصادم بالطريق الدولي الساحلي في مدينة رشيد بمحافظة البحيرة بين سيارتين كانت تقل إحداهما عمالاً رزاعيين ، وتم نقل المتوفين والمصابين إلى مستشفى رشيد العام.

وبالمنوفية لقي 4 أشخاص مصرعهم وأصيب 8 آخرون بينهم طفلان[7]،  في حادث تصادم على طريق السادات كفر داود، وتم نقل المصابين والمتوفين لمستشفى السادات، وبالانتقال والفحص، تبين تصادم سيارتين أجرة وملاكي ومصرع 4 أشخاص وإصابة 4 آخرين بينهم طفلان يعملان بالزراعة ، وتم نقلهم إلى المستشفى وتحرير محضر بالواقعة.

بتاريخ 14/3/2016 لقى 3 أطفال مصرعهم حرقاً أثناء عملهم برفع مخلفات زراعية بقرية موشا فى أسيوط[8]، حيث شب حريق هائل في مخلفات مزرعة بقرية موشا دائرة المركز، وبانتقال فريق الإسعاف والدفاع المدنى تبين نشوب الحريق بمخلفات الزراعة "بوص" ومات الأطفال أثناء عملهم وتمكنت الحماية المدنية من السيطرة على الحريق

وتم التحفظ على الجثث بمستشفى الإيمان العام وجار تحرير المحضر اللازم.

بتاريخ 12/4/2016 لقى 5 أشخاص مصرعهم وأصيب 21 آخرون , نتيجه تصادم سيارتين أجرة ونقل قادمة من مدينة فاقوس فى حادث مروع على طريق الإسماعيلية[9] حيث تبين أن التصادم وقعبين سيارة بيجو أجرة وأخرى نقل تحمل عمالاً زراعيين بمنطقة الصالحية ما أدى إلى مصرع 5 أشخاص من بينهم 3 من مدينة فاقوس وإصابة 21 آخرين من بينهم أطفال كانوا يتجهون إلى العمل بإحدى المزارع الكبيرة.

بتاريخ 18/4/2016 شيع أهالى مركز بنى ناصر ببنى سويف جثامين عشرة عمال زراعيين ضحايا حادث طريق "سفاجا ـ سوهاج" في بني سويف[10] والذين لقوا مصرعهم فى حادث تصادم بين سيارتين بطريق "سفاجا ـ سوهاج" بالبحر الأحمر.

بتاريخ 12/5/2016 أصيب عشرة من عمال الزراعة فى حادث انقلاب سيارتهم بطريق الإسكندرية الصحراوى البحيرة [11] وأسفر الحادث عن إصابة قائد السيارة وعشرة من عمال الزراعة المقيمين بقرية العشر آلاف مركز أبو المطامير بجروح وكدمات واشتباه كسور، وتم نقلهم لمستشفى جراحات اليوم الواحد بوادى النطرون وتحرر محضر بذلك ، وجار العرض على النيابة العامة!!

بتاريخ 15/5/2015 لقى طفل مصرعه أثناء عمله وذلك بسبب حريق مخلفات أرض زراعية في بني سويف[12] بقرية طنسا التابعة لمركز ناصر شمال بني سويف، وانتقلت قوات الشرطة برئاسة رئيس المباحث، إلى محل الواقعة، على رأس قوة من رجال الإطفاء للسيطرة على الحريق ومنع امتداده للأراضي الزراعية المجاورة.

وتبين من المعاينة الأولية للحادث مصرع "محمود عرفة عوض" 12 سنة عامل فيما نفق عدد من رءوس الماشية.

بتاريخ 17/5/2016 لقى اثنان من عمال التراحيل[13] مصرعهما وأصيب 8 آخرون بكسور وجروح متفرقة بأنحاء الجسد إثر وقوع حادث سير داخل نطاق محافظة البحيرة ، نتيجة انقلاب سيارة نقل محملة بالعمالة الزراعية على طريق 107 – الدلنجات ( فرعى ) بوادى النطرون

أصيب 9 أشخاص من عمال الزراعة [14] جراء وقوع حادث تصادم بطريق أبوالعطا - أبو بكر أمام قرية أبو العطا دائرة قسم شرطة غرب النوبارية.

وأسفر الحادث عن إصابة قائدى السيارتين و7 من مستقلى السيارة الأولى جميعهم من العمال الزراعيين ويقيمون بأبو المطامير- بجروح وسحجات وكدمات واشتباه كسور، وتم نقلهم لمستشفى جراحات اليوم الواحد بوادى النطرون للعلاج، وتحرر المحضر اللازم وجار العرض على النيابة العامة.!!

بتاريخ 19/6/2016 لقى عامل زراعى مصرعه وأصيب 10 آخرون[15] في انقلاب سيارة عمال تراحيل بطريق شبين الكوم السادات، بمحافظة المنوفية، وتم نقل المصابين إلى المستشفى.

بتاريخ 23/6/2016 لقيت سيدة مصرعها وأصيب 15 من العمال الزراعيين[16] في حادث انقلاب سيارة بالبحيرة عند الكيلو 116 اتجاه القاهرة، وبالانتقال تبين أنه أثناء سير سيارة ميكروباص بالطريق المشار إليه انفجر الإطار الخلفي الأيمن للسيارة ما أدى إلى اختلال عجلة القيادة بيد سائقها وانقلابها على جانب الطريق.

بتاريخ 28/6/2016 لقى طفلان مصرعهما في حادث سقوط سيارة من أعلي معدية نيلية بالمنيا[17] إثر استقلالهما لسيارة نقل محملة بالطوب الحجري وسقوطها من أعلي معدية نيلية، أمام قرية السرارية، التابعة لمركز سمالوط، شمال محافظة المنيا، بسبب حدوث عطل مفاجئ بالفرامل.

ما أدى إلى سقوط سيارة بلوك حجري من أعلي معدية مكادي، أمام قرية السرارية، بالبر الشرقي للنيل، ما أسفر عن مصرع الطفلين غرقاً، ويرجح أنهما كانا يعملان عليها، فيما نجا السائق!!

 وبانتقال أجهزة الأمن إلي مكان الحادث، وبالمعاينة تبين أن المعدية كانت راسية علي البر وأن سائق السيارة دخل من الباب المواجه للمرسي من الناحية الشرقية، وبسبب حدوث خلل وعطل في الفرامل انزلقت السيارة وسقطت من الباب الآخر المطل علي المجري المائي للنهر، ما أسفر عن غرق الطفلين وجارى انتشال جثتيهما.

بتاريخ 28/6/2016 تم انتشال جثة عامل سقط من معدية كفر درويش ببنى سويف [18] بعد أن لقي عامل مصرعه ونجا 3 آخرون من الغرق، إثر سقوط سيارة نقل تابعة لشركة مقاولات من معدية قرية كفر درويش بمركز الفشن ببني سويف، نتيجة كسر في الحاجز وسلسلة الأمان.

تلقى اللواء محمود العشيري، مدير أمن بني سويف، بلاغا بسقوط سيارة محملة بالحديد من أعلى معدية بنهر النيل بقرية كفر درويش التابعة لمركز الفشن، ما أدى إلى غرق أحد العاملين بالشركات التي تنفذ أعمالا بمحطة كهرباء قرية سنور، ونجاة السائق وعاملين آخرين، وجار إنقاذ سائق السيارة المحملة بالحديد من الغرق.

وتبين من التحريات أن سبب الحادث يرجع إلى أن سائق السيارة المحملة بالحديد النقل لم يستطع إمساك فرامل السيارة، ما أدى إلى سقوطها في النيل.

بتاريخ 26/7/2016 لقى عاملان زراعيان مصرعهما، وأصيب 14 آخرون فى حادث تصادم، بين سيارة ربع نقل محملة بعمال زراعيين[19] فى طريق عودتهم لمنازلهم وبين سيارة أخرى ملاكى.

تبين حدوث مصادمة بين سيارة ملاكى وسيارة ربع نقل يستقلها عمال زراعيون فى طريقهم لمحل إقامتهم بالبحيرة أثناء سير السيارة الأولى بالطريق المشار إليه فوجئ قائدها بالسيارة الثانية القادمة فى الاتجاه المقابل تنحرف تجاهه وتصطدم بها ثم انحرفت السيارة الأولى وانقلبت يسار الطريق.

بتاريخ 30/9/2016 " لقى عامل زراعى مصرعه[20] كما أصيب 6 آخرون بكسور وجروح وسحجات وكدمات متفرقة بالجسم بحادث انقلاب سيارة محملة بالعمالة الزراعية بطريق  المحمودية إدكو أمام كوبرى الوكيل، وتم نقل الجثة والمصابين لمستشفيات إدكو والإسكندرية.

بتاريخ 30/9/2016 لقي 3 أشخاص يعملون بالزراعة مصرعهم[21] وأصيب 8 آخرون بكسور وجروح متفرقة بأنحاء الجسم اثر وقوع حادث تصادم بنطاق محافظ البحيرة.

بتاريخ 30/9/2016 لقى عاملان زراعيان مصرعهما وأصيب 16 آخرون بإصابات خطيرةفى حادث تصادم مروع بالشرقية[22]، بين سيارة نصف نقل محملة بعمال زراعيين كانوا فى طريقهم للعمل بمزارع الصالحية الجديدة وأثناء عبورهم المفارق فوجئ قائدها بجرار زراعى قادم من الاتجاه المعاكس بسرعة فائقة واصطدم بسيارتهم، في طريق أبو شلبى الصالحية ، ما أسفر عن مصرع إسماعيل الدمياطى (52 عاما) ومحمد السيد محمد السباعى(20 عاما) وإصابة 16 آخرين وجميعهم عمال زراعيون وتتراوح أعمارهم ما بين 17 عاما، و36 عاما.




خامسًا: ملاحظات ختامية

استعرض التقرير فى أقسامه الخمسة أوضاع العاملين فى قطاع الزراعة وحاول فى قسمه الأول قدر المتاح من المعلومات والخبرات الميدانية أن يبين تأثير السياسات فى أوضاع قطاع العاملين وذلك فى الفترة من يوليو عام 1952 وحتى عام 2016.

واستعرض هذا القسم الملامح العامة للسياسات والتشريعات التى أصدرتها الحكومات المتتالية عبر مراحل ثلاث ، الأولى تبدأ من عام 1952 وحتى عام 1975 وقد تبين أن مجمل السياسات الزراعية أدت بشكل عام إلى قدر من الانتعاش الاقتصادى فى الريف نتيجة التغير الجزئى فى نمط توزيع الدخول لكن هذا الانتعاش لم يمس بشكل حقيقي أوضاع العمالة الزراعية من المعدمين  التى تزايدت أعدادها وانخفضت أجورها بشكل واضح ، ولولا عمليات التصنيع والمشروعات القومية الضخمة مثل السد العالي التى امتصت جزءاً لا بأس به من هذه العمالة طوال النصف الثانى من الخمسينيات وحتى نهاية النصف الأول من الستينيات لوصلت الأوضاع إلى حد الكارثة.

      ومع هزيمة يوليو عام1967 وتوقف كل عمليات التنمية والتوسع الصناعي وتوجيه أغلب موارد الدولة للمجهود الحربي عاد شبح كارثة الفقر فى الريف وفائض العمالة الزراعية مرة أخرى للتزايد ، والتى أمكن الامتصاص الجزئي لنتائجها من خلال استيعاب الجيش لأعداد هائلة من المجندين لاسترداد الأرض المحتلة ، ومع عود المقاتلين من حرب أكتوبر عام 1973 لقراهم ، وفى ظل عدم وجود بناء اقتصادي غير قادر على استيعابهم ، ومع تنامي تحول قطاعات متزايدة من صغار الحائزين  إلى قوة عمل أجيرة ، وفى ظل الزيادة الطبيعية فى قوة العمل الناتجة عن زيادة السكان أصبحت كارثة العمال الزراعيين أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار.

ويبين التقرير أنه وفى الفترة من عام 1975 حتى عام 2011 سعت السلطة الحاكمة إلى تخليص الاقتصاد من السياسات السابقة التى كانت تسمح بتدخل مؤسسات الدولة فى إدارة الحياة الاقتصادية والحد من قدرتها على السيطرة على الفائض الاقتصادى وإعادة استخدامه ، وإطلاق قوى السوق الرأسمالى بما يسهم فى إعادة رسم خريطة الدخل لصالح القوى الرأسمالية العالمية والمحلية ، وإعادة صياغة وتشكيل هيكل الاقتصاد لكي يكون مستعدا لاستقبال الاستثمارات الأجنبية ، وتعميق التحالف الاقتصادى والسياسي مع الغرب، وقد دشنت تلك السياسات بورقة أكتوبر والقانون رقم 43لسنة 1974 والمعروف بقانون استثمار رأس المال العربي الاجنبى.

وفى قطاع الزراعة تم تدعيم ذلك بإعادة مركزه الأرض فى يد الرأسمالية الزراعية وإعادة الأرض التى تم الاستيلاء عليها إليهم وتعويضهم بأسعار السوق عن أراضيهم التى انتزعت منهم خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى. 

وتم إطلاق حرية الاستثمار الرأسمالى فى الريف دون أدنى تدخل من الدولة ، وهو ما لعب الدور الأساسى فيه بنك التنمية والائتمان الزراعي الذى وفر مصادر تمويل مناسبة للرأسمالية الزراعية  وسحب العديد من الوظائف والأدوار التى كانت تقوم بها مؤسسات تعبئة الفائض القديمة والمسماة بالجمعيات الزراعية ، كما ألغيت الدورة الزراعية ، وكذلك التسليم الإجبارى للمحاصيل التقليدية . وفى الوقت نفسه كبلت الحيازات الصغير بالديون والقروض لدى البنك وتحول أصحابها فى النهاية إلى معدمين ، أو اضطروا للعمل لتغطية ديونهم لدى البنك.

وخلال هذه المرحلة تم دعم مواقع الرأسمالية الزراعية فى البناء السياسى ، وارتفعت نسبة تواجدهم فى البرلمان بل بين قادة الأحزاب السياسة وفى المجالس المحلية والتى سيطرت عليها عائلات أغنياء الريف ولم يخرج مجلس الوزراء من دائرة تواجدهم حيث حافظوا على تواجدهم بوزيرين على الأقل يرتبطون بمصالح مباشرة مع الرأسمالية الزراعية. وهو ما دعم فى النهاية النفوذ الاقتصادى لدى كبار الحائزين وأغنياء الفلاحين الذين استطاعوا توفير الحماية السياسية لفرض سطوتهم واستغلالهم على العمالة الزراعية المجردة من أى حماية قانونية أو سياسية .

 وعلى امتداد تلك الفترة أدت هذه السياسات إلى مزيد من الإفقار والتمايز الاجتماعى داخل الريف دفع ثمنه أفقر الفقراء من المعدمين الذين يشكلون جسم العمالة الزراعية وكتلتها الرئيسية ، لكن الفورة النفطية ووجود توجه دولي لإعادة تدوير أموال النفط باتجاه الغرب واستخدام العمالة المصرية كقاعدة لتنفيذ هذا التوجه ، أسهم فى امتصاص فائض هذه العمالة إلى حد كبير عبر طوفان الهجرة (الشرعية وغير الشرعية ) إلى بلدان الخليج والعراق وليبيا والذى شمل الملايين من المصريين من سكان الريف وكان عمال الزراعة كتلتهم الرئيسية ، بالإضافة للهجرة إلى المدن خاصة فى المهن التى تحتاج لجهد بدني وقليل من التأهيل لسد فراغ العمالة الحضرية المهاجرة لدول النفط.

وأسهمت الهجرة بشكل نسبى فى الحد من مشكلة فائض العمالة الزراعية فى الريف ، حتى إنه مع بداية الثمانينيات أصبحت هناك ندرة فى العمالة الزراعية ، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبى فى أجورها ،  إلا أن الهجرة على المدى الطويل ساعدت على الحفاظ على أوضاع بنية التخلف فى الريف وقطاع الزراعة ، وبالتالى ديمومة علاقات النهب والاستغلال التى يتعرض لها العمال الزراعيون.

وفاقم من الآثار الكارثية فى تلك الفترة اتساع نطاق ظاهرة البطالة على مستوى الريف/الحضر التى وصلت الى 10,6% من إجمالى قوة العمل فى عام 2006 وزادت فى عام 2010 إلى نحو 12% وبالتالى تراجعت قدرة المدينة أو القطاعات الاقتصادية الأخرى عن امتصاص أي قدر من فائض بطالة العمالة الزراعية التى كانت تهاجر إلى المدينة.

وتزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة فى معظم الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية وهو ما كان له أثره السلبي المباشر فى عمال الزراعة الذين يعانون من انخفاض التأهيل ويعتمدون بشكل أساسى على أعمال ترتبط بالجهد البدني .

وتزايد نهم الرأسمالية الزراعية لزيادة نصيبها من الأرض الزراعية وبالتالى استخدمت جميع الأساليب القانونية وغير القانونية بما فيها العنف وجيوش المجرمين فى الاستيلاء على الحيازات القزمية والصغيرة (سواء فى الأراضى القديمة أو المستصلحة) وطرد الفلاحين منها وتحويلهم إلى معدمين وقد استولت هذه الرأسمالية على عشرات الآلاف من الأراضى التى كان يديرها الإصلاح الزراعى خلاف ما يزيد على 25 ألف فدان من أراضى الأوقاف.

وتم تكليل هذه المرحلة بتطبيق قانون تحرير إيجارات الأرض الزراعية وإعادة الأراضى المستأجرة لمالكيها وترتب على ذلك طرد نحو مليون مستأجر من الأراضى الزراعية وإعادتها للملاك بعد تطبيق القانون 96 لسنة 92 عام 1997 وتم على إثره تحرير قيمة الإيجار حتى وصلت من نحو 600 جنيه إيجار للفدان فى عام 1997 إلى نحو 10 آلاف جنيه للفدان فى الوقت الراهن.

وعلى إثر ذلك اتسع نطاق الفقر وزادت معدلاته فى الريف خاصة مع انهيار التعليم وارتفاع تكلفته ما أدى الى لجوء الكثير من الأسر الريفية إلى الدفع بأبنائها إلى سوق العمل وهو ما أدى إلى زيادة فائض العمالة من جهة ، بالإضافة إلى أن دخول هؤلاء الأطفال لسوق العمل وعملهم بأجور اقل وضاعف ذلك من تدهور أجور العمال الزراعيين.

وبدأت المرحلة الثالثة مع تفجر الأوضاع الاجتماعية عام 2011 وانتفاض الجماهير فى الشوارع ، وقد أدت السياسات المتبعة منذ ذلك الحين وحتى الوقت الراهن إلى زيادة نهب الأراضى الزراعية وتدهور إنتاج بعض المحاصيل الزراعية مثل القطن وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعى إلى أكثر من 100% وتدهور أوضاع القطاع الزراعى والريف بشكل عام وتزايد نسب البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، وقد دخلت وزارة الدفاع فى الكثير من الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية لدرجة بلوغ حجم هذا التدخل والأنشطة إلى نحو 30% من حجم النشاط الاقتصادى دون مراقبة من أى أجهزة شعبية أو رقابية مما أسهم فى تزايد الفساد بدرجات غير مسبوقة فى الأجهزة الحكومية ولم تشهده مصر خلال مائة عام الماضية وقد قدرته جهات حكومية بما يزيد على 600 مليار جنيه خلال السنوات الخمس الماضية وأثر ذلك بالسلب فى مختلف الأوضاع الاقتصادية وفى الاجتماعية وأدى إلى ارتفاع أسعار السلع المعيشية وتدهور قطاعات الصحة والتعليم وأثر بالسلب فى دخول ملايين المواطنين خاصة العاملين بأجر من بينهم العاملون بقطاع الزراعة.

ولا يسعنا إلا القول بأن مجمل السياسات الزراعية أو التى اهتمت بشئون العمال الزراعيين فى مصر منذ عام 1952 وحتى الآن أسقطت من اهتماماتها أى توجه فعلى نحو تحسين شروط عملهم أو تأهيلهم أو أجورهم بل إنها أسهمت فى تزايد معدلات تدهور أوضاعهم.

وفى القسم الثانى يوضح التقرير واقع العمالة الزراعية ومشاكلها حيث أكد أنهم يعانون من عدم الاستقرار في فرص العمل، نتيجة  موسمية العمل الزراعي ، كما يعانون من استغلال ونهب مقاولي الأنفار خاصة مع استمرار وتوسع ظاهرة عمال التراحيل الذين يبحثون عن فرصة خارج قراهم وانخفاض أجورهم الحقيقية بنحو 60 % ، ويعملون ساعات عمل طويلة تصل أحيانا إلى 11ساعة متواصلة يتخللها ساعة للغداء ، ولا يتمتعون بأي تأمينات اجتماعية أو صحية أو بدلات وحوافز وعلاوات. وحتى من يعمل منهم عمالة دائمة  فى المزارع الكبرى محروم من أي شكل من أشكال الرعاية الصحية أثناء العمل ، بل من أجورهم أثناء فترة المرض أو الإصابة ، كما يتدنى مستوى ونمط معيشة أسر هؤلاء العمال ، وتتعرض الفئات الأضعف منهم والممثلة فى الأطفال والنساء لدرجات أعلى من الاستغلال ، فمتوسط أجر المرأة والطفل يمثل نحو 35 % و30,5 % على التوالي من متوسط أجر الرجل.

ويتعرضون لمخاطر وإصابات وأمراض كثيرة أثناء العمل وبسببه سواء أكانت تلك المخاطر والإصابات بيولوجية نتيجة الإصابة بالأمراض التى تنتقل عن طريق ملامسة الحيوانات والطيور أو التعامل معها ، أم مخاطر طبيعية أم كيمائية أم ميكانيكية ونهاية بحوادث الطرق أثناء انتقالهم إلى المزارع ، هذا خلاف حالات التحرش والاستغلال الجنسي التى تتعرض لها النساء على نحو خاص من أصحاب المزارع أو المقاولين أو الرجال الذين يعملون معهن خاصة عند اضطرار النساء والفتيات للعمل بعيدا عن قراهم لمدة طويلة  .

ورغم كل تلك المعاناة التى تعانى منها العمالة الزراعية فإنها لا تشكل كتلة واحدة متجانسة ، وهو ما يعقد أساليب التعامل معها أو رصد المتغيرات الطارئة على أوضاعها ، أو حتى وضع تصورات لنضالها السياسى فى المستقبل.

     فهي تتنوع بين رجال ونساء وأطفال ويستخدم فارق الأجر بين الرجال والنساء والأطفال مع ندرة العمل وارتفاع فائض قوة العمل فى فرض شروط عمل أكثر قسوة يعانى منها الجميع وإيجاد حالة من التنافس فيما بينهم.

ويهمنا أن نشير إلى أن هذا ليس هو التنوع الوحيد بين كتلة عمال الزراعة فهناك عمال معدمون أي لا يملكون إلا بيع قوة عملهم كمصدر وحيد للدخل ، وهناك عمال زراعة لديهم مصادر دخول مكملة إلا أنهم يلجأون للعمل المأجور كعمال زراعة لاستكمال احتياجاتهم النقدية ، ومنهم أصحاب حيازات قزمية وصغيرة ، أو أصحاب أنشطة اقتصادية صغيرة ومتناهية الصغر (دكان بقالة فى القرية)، بل إن  منهم من يعمل كعمالة دائمة فى المؤسسات الحكومية كعمال خدمات أو صغار موظفين ويستكملون أيضا احتياجاتهم النقدية بالعمل الزراعي المأجور.

هذا التنوع المعقد على خلفية النوع والفئة العمرية ، وديمومة العمل أو موسميته ، وتعدد مصادر دخل العامل أو أحاديته من العمل الزراعي المأجور، أو تنوع أنواع العمل بين زراعي وغير زراعي ، واختلاف أصحاب الأعمال بين حكومة وقطاع خاص ، شركات أو أفراد، عمل مباشر او عبر مقاول ، عمل داخل القرية أو خارجها ، يضعنا أمام وضع بالغ التعقيد لدراسة أوضاع العمالة الزراعية خاصة مع غياب الدراسات العلمية لتفاصيل هذه الخريطة ، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى التعميم الخاطئ فى التعامل معها ككتلة واحدة متجانسة .

     ورغم هذا التعقد فى خريطة قوة العمل الزراعي فإنه يمكن القول إن جميع فئاتها تعانى بشكل عام من تزايد تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ، وتعانى من أكثر شروط العمل قسوة والتى يغيب فى ظلها أي شكل من أشكال الحماية والرعاية ، كما أنها تعانى من تزايد معدلات البطالة وتضاؤل فرص العمل ، ولقد أصبح هذا القطاع المهم من قوة العمل يشكل قاعدة جيش المهمشين الذى أصبح يموج بالغضب وعدم القدرة على تحمل مزيد من تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتدهورها.

إلا إنه يضاف إلى هذا الظروف والواقع  الاجتماعى للعمالة الزراعية من ظروف عمل لا تسمح لها بالوجود فى جماعات كبير ، وغياب أي منظمات نقابية فاعلة ، والعمل الموسمي الذى يتغير فيه صاحب العمل ومكانه بشكل دائم ، وارتفاع نسبة الأمية والمعاناة الدائمة من ندرة فرص العمل والانشغال الدائم بالبحث عنها..إلخ ، كل هذه الظروف تدعم تأخر أو تراجع ظهور أي نشاط سياسي أو اجتماعي  منظم لهذا القطاع من العمال دفاعا عن مصالحهم أو تحسين أوضاعهم ، وبالتالى تضعف قدرتهم على التأثير فى عملية صنع السياسات أو التوازن الاجتماعى بما يسمح بتحقيق جزء من هذه المصالح ، وهذه الوضعية تشير فى الحقيقة الى مستقبل وأيام صعبة وقاسية تنتظر هذا القطاع من قوة العمل. 

وفى القسم الثالث يستعرض التقرير ظاهرة عمل الأطفال باعتبارها أحد القطاعات النوعية داخل قطاع العمال الزراعيين ، ويبين التقرير الاهتمام الزائف من الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية والمحلية والحكومة المصرية بتحسين حقوق هذا القطاع ، حيث إن هذه الأخيرة تحاول إظهار نفسها أمام أسواق التجارة العالمية بأن إنتاجها يخلو من استخدام عمل الأطفال فى الأنشطة الاقتصادية الخطرة ، أو محاولاتها جلب المنح الدولية باعتبار أن الأخيرة تشترط الاهتمام بقطاعات حقوق الإنسان ومن ضمنها حقوق الأطفال ، ولا يهدف هذا الاهتمام الدولى أو المحلى إلى تغيير السياسات أو تقوية منظمات العمال للدفاع بأنفسهم عن مصالحهم ضد رجال الأعمال وكبار الملاك الزراعيين والشركات وفساد المؤسسات ذات الصلة بالقطاع ، لكنه يرتبط بنطاق ضيق من الأنشطة تعتمد على المساعدات المباشرة لعدد محدود من الأطفال.

وفى هذا السياق قدرت منظمة العمل الدولية بأن هناك نحو 250 مليون طفل بين سن الخامسة والرابعة عشرة يعملون في الدول النامية وحدها محرومون من التعليم المناسب والصحة الجيدة والحريات الأساسية، ويدفع كل طفل من هؤلاء ثمنا فادحا لهذه المعاناة حيث إن نحو 50% منهم أو ما يقدر بـــ120 مليونًا يعملون كل الوقت في حين يدمج العدد الباقي مابين العمل والدراسة ، ويعمل نحو 70% تقريبا من الأطفال في أعمال غبر إنسانية ، وهناك من بين هذا العدد الكلي نحو 50 إلى60 طفلا بين سن الخامسة والحادية عشرة ممن يعملون في ظروف خطيرة ؛ نظرا لصغر سن هؤلاء الأطفال وهشاشة أجسادهم وهذا ما يؤثر فى حياتهم وصحتهم.

ويشير التقرير العالمي لعمل الأطفال لعام 2002 إلى أن السبب الرئيسي في اختفاء الأرقام الحقيقة لعمل الأطفال في المنطقة العربية؛ يعود لعدم اعتراف هذه الحكومات بالمشكلة ، ولا تعلن البيانات والإحصائيات الخاصة بهذه القضيةفى محاولة منها لتغييب الاهتمام بحقوق الأطفال العاملين.

ويستعرض هذا القسم الاتفاقيات الدولية العديدة مثل اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية وتوصيات الفاو ، ويؤكد بأنه وعلى الرغم من كل هذه الجهود التى تبذلها المنظمات الدولية فى إصدار الاتفاقيات الملزمة والرصد وتنفيذ المشاريع التىتستهدف تحسين حياة هؤلاء الأطفال أو وقف تشغيلهم فى الأعمال الخطرة فإن الظاهرة مازالت فى تزايد مستمر نتيجة السياسات الدولية وانحيازها لمصالح الشركات الدولية الكبرى وتوافق مصالحها مع مصالح الحكومات المحلية وللأسف وبسبب هذه السياسات تتم إعادة إنتاج الظاهرة ويتم استغلال الأطفال بشكل متواصل.

ويستعرض هذا القسم أوضاع عمل الأطفال فى مصر ويبين أن حجم عمل الأطفال يبلغ نحو 3 ملايين عامل طبقًا لتقارير غير رسمية ، وطبقا للمسح  القومي لظاهرة عمل الأطفال في مصر والصادر عن المجلس القومي للطفولة والأمومة فإن  هناك نحو 2,76 مليون طفل عامل في مصر، يمثلون نحو ٢٦% أي أكثر من خمس الأطفال في الشريحة العمرية من ١٦:١٤ سنة بينما قدرهم الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء بنحو 1,6 مليون طفل عامل.

وفى هذا السياق قدرت منظمة العمل الدولية حجم الأطفال العاملين بقطاع الزراعة بنحو 2.2 مليون طفل، بنسبة تصل  إلى 26% من إجمالى العاملين فى مصر ، ورغم تباين  الإحصائيات  السابقة وعدم دقتها فإن  جميعها يشير إلي ارتفاع حجم عمل الأطفال في مصر ومع ذلك يبدو التناقض واضحًا في تلك الإحصاءات حتي تلك الصادرة من جهة واحدة.

وقد أشار التقرير إلى مخاطر عديدة نتيجة عمل الأطفال فى قطاع الزراعة والتى يعود بعضها إلى :

-        ظروف وشروط عمل شاقة مثل استخدامهم لأدوات عمل تسبب لهم الإصابات ( الجروح والكسور ) وتعرضهم لمخاطر التعامل مع المبيدات الزراعية ( التسمم والأمراض الخطيرة ) وكذلك للمخاطر الناتجة عن طول يوم العمل ، والإرهاق الشديد ، والمعاملة السيئة من المشرفين ، وأصحاب العمل ، وما يصاحب كل ذلك من أمراض مزمنة.

-        الاستغلال الاقتصادى ، والذى يتجلى فى عدد من الأوضاع مثل بدء العمل فى سن مبكرة ( أقل من 7 سنوات ) ، واستمرار ظاهرة مقاولى الأنفار ( يستحوذون على جزء من أجر الأطفال ) ، وانخفاض أجور الأطفال ، وزيادة عدد ساعات العمل اليومية وحرمان الأطفال من كافة أشكال الحقوق المتعلقة بالأجازات والراحات الأسبوعية ، أو حقهم فى الحصول على أجورهم عنها.

-        مخاطر طبيعية مختلفة ( العوامل والظروف المناخية ، الحر الشديد ، البرد الشديد ... إلخ ) ومخاطر كيميائية وبيولوجية . وتؤثر هذه المخاطر فى الأطفال ( إصابتهم بضربات الشمس والدوخة ، والإغماء بسبب عدم توفر وسائل الحماية من الشمس)

-        وتعد الأعمال المشار إليها سابقاً التى يقوم بها الأطفال من أسوأ وأخطر أشكال العمل التى يقوم بها الأطفال والتى تلحق أفدح الأضرار بسلامتهم وصحتهم . ويضاعف من الضرر غياب الرعاية الصحية فضلاً عن عدم توافر وسائل الوقاية والحماية وعدم قيام أصحاب العمل بإجراء الفحص الطبى الدورى على الأطفال وكذلك عدم توافر الخدمات الضرورية فى أماكن العمل ( المياه النقية ، دورات مياه ، الوجبة الغذائية ، المواصلات الآمنة ...إلخ ).

ويستعرض التقرير بعض الملاحظات السلبية الواردة بقوانين الطفل والعمل والنقابات العمالية والتأمينات الاجتماعية التى تفتح بابا واسعا لاستغلال الأطفال العاملين وتؤدى إلى تهرب أصحاب الشركات وكبار الملاك من تحمل مسئولياتهم فى حماية حقوق هؤلاء العاملين.

وأكد التقرير أنه على الرغم من كل جهود المنظمات الدولية واتفاقياتها وتوصياتها ومؤتمراتها والتزام الحكومة المصرية بتنفيذ بنودها ومع كل أدوار المؤسسات الحكومية والأهلية فى مصر لتحسين ظروف عمل الأطفال أو وقف استغلالهم ورغم صدور التشريعات والدساتير التى تؤكد حماية حقوق الأطفال العاملين ، فمازال أطفالنا يتم استغلالهم من قبل أصحاب الأعمال بسبب سياسات حكومية تنحاز لمصالح رجال الأعمال والفاسدين وتعيد إنتاج هذه الظاهرة ليس لشىء إلا لأن مجهودات هذه المؤسسات لا تهدف إلى تغيير السياسات بل تهدف إلى ترميم سياسات أنظمة ثبت فشلها فى تحسين حياة البشر ، كما أن معظم هذه المؤسسات تتعامل مع الأطفال العاملين كضحايا وأرقام وبالتالى تتغافل عن إنشاء وتقوية ودعم تنظيماتهم المستقلة التى يمكنها وحدها وقف استغلالهم وتحسين شروط حياتهم.

وبالتالى لم تسفر هذه المجهودات خلال عشرات السنين الماضية عن أي نتائج إيجابية لأن السياسات الدولية والمحلية تعيد إنتاج الظاهرة وهى أسباب مازالت موجودة ولن يتم تغييرها بالطرق التى تتبعها تلك المنظمات.

وفى القسم الرابع يرصد التقرير بعض الحوادث التى وقعت للعمال الزراعيين أثناء ذهابهم إلى المزارع أو العودة منها إلى بيوتهم وذلك فى الفترة من يناير2016 حتى سبتمبر2016.

ويكشف التقرير عن مقتل 79 عاملا زراعيا ما بين عمال وعاملات بالغين وفتيان وفتيات وإصابة 190 آخرين وكان ذلك بسبب حوادث الطرق لسيارات ومعديات متهالكة وغير صالحة للاستخدام وحوادث أخرى ناجمة عن تسمم غذائى فى إحدى المزارع أو نشوب إحدى الحرائق.

ويؤكد التقرير أن عدد الحوادث التى يتعرض لها العاملون بقطاع الزراعة تزيد على ذلك بكثير، لأن هذه الفئات لا يهتم بها إعلام مؤسسات الدولة المشغول بدعم أصحاب الشركات وكبار الملاك، فنادرًا ما يشار إلى مثل هذه الحوادث ، وإن أشار إليها فيكون على حرج وفى صفحة الحوادث وفى مكان لا يمكن رؤيته.

ونظرًا لوقوع حوادث معديات كثيرة خلال العام راح ضحيتها مئات المواطنين ومن بينهم عمال زراعة فقد اهتمت بعض الجرائد بعمل بعض التحقيقات عن حالة المعديات التى تزيد على آلاف المعديات التى تصل بين شطى النيل ، والتى أكدت جميعها تهالك هذه المعديات وعدم صيانتها أو تجديد رخصها وعدم صلاحيتها للعمل، وعدم الرقابة أو التفتيش من الجهات الحكومية المختلفة والمسئولة عن سلامة النقل عليها.

وتكشف الأخبار التى نشرت حوادث العمال الزراعيين عن الانحيازات المفضوحة للإعلام لأصحاب الشركات والمزارع الكبيرة والفاسدين بمؤسسات الدولة ، حيث لم يشر أى خبر إلى مسئولية هؤلاء جميعا غير ضرورة توفير وسائل نقل آمنة للعمال وعلى حقوق العاملين فى تحرير عقود عمل وتأمين صحى واجتماعى وصرف تعويضات ومعاشات بسبب إصابات العمل أو الوفاة الناجمة عن العمل.

وعلى جانب آخر لم تهتم أى من الأحزاب أو النقابات بأى من هذه الحوادث نظرًا لانشغال معظمهم بقضايا الديمقراطية والحقوق المدنية ولم يقوموا خلال هذه الفترة بتوعية العمال الزراعيين ليشكلوا تنظيماتهم المستقلة ، كما لم يبذلوا جهودًا بحثية لدراسة أوضاع تلك العمالة وأماكن تواجدهم وطبيعة عملهم وحجم مشاكلهم أو يتواصلوا معهم لتمكينهم من تشكيل تلك التنظيمات التى من دونها لا يمكن لأحوال العمال الزراعيين أن تتحسن.

ورغم جهود بعض الجمعيات الأهلية والمؤسسات العاملة فى هذا المجال فى رصد مشاكل العمال والأطفال العاملين بقطاع الزراعة فإن حجم الظاهرة يتزايد وظروف عملهم تزداد سوءًا وتدهورًا ، وهذا ناتج من رؤية هذه الجمعيات لهذه القطاعات التى تعدها مادة لأنشطتهم وفى أحسن الأحوال تسعى لتحسين أوضاع بعض أفرادهم عن طريق الهبات والمساعدات المباشرة دون أن تهتم بتطوير وسائل مقاومة أسباب هذه الظاهرة.

ويؤكد المركز أن عمل الأطفال بالزراعة هو جزء من مشكلة أكبر تخص كل العاملين بالزراعة والعاملين بأجر ولن يتم وقف استغلال هؤلاء الأطفال أو تحسين شروط عملهم أو حياتهم إلا من خلال تنظيمات مستقلة للعاملين بالزراعة التى يمكنها الدفاع عن مصالحهم فى مواجهة استغلال أصحاب المزارع ومقاولي الأنفار وأصحاب الشركات ويمكنها أيضًا مقاومة الفساد المنتشر بأجهزة الدولة.

ولن يتم ذلك إلا عبر تنظيمات نوعية تتناسب مع أوضاع التنويعات داخل هذا القطاع  ( عمال زراعة موسميون – عمال زراعة دائمون – عمال زراعة بشركات زراعية ومثبتون – عمال زراعة بشركات زراعية وغير مثبتين – عمال زراعة بالأراضى القديمة – عمال زراعة بالأراضى المستصلحة الجديدة .. إلخ) ويمكن بعد ذلك التنسيق بين هذه التنظيمات النوعية فى تنظيم أكبر للعمال الزراعيين يراعى الأهداف المشتركة لكافة هذه التنظيمات والمتعلقة بتحسين شروط العمل والتأمين الصحى والاجتماعى والنضال من أجل كفالة حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

ويجب أن تدير هذه التنظيمات قيادات عمالية فاعلة ومستقلة ولها مصلحة مباشرة فى تحقيق أهداف هذه التنظيمات عبر عملية طويلة من النضال وليس الاستجداء من أصحاب الأعمال أو السلطات ، وتجب بلورة هذه الرؤية والتحركات عبر مؤتمر ينظمه المهتمون بتحسين حياة وعمل العمال الزراعيين والقيادات الواعية بحقوق ومصالح العمال الزراعيين وكل العاملين بأجر ، ويجب أن يبلور المؤتمر برنامجًا ورؤية وخطط نشاط وتنسيقات للمتابعة وتذليل العقبات.

إن تلك الأهداف والتحركات وغيرها من الأفكار هى التى يمكنها إجبار الحكومة والأحزاب السياسية والمنظمات الأهلية على تغيير سياساتها تجاه هذا القطاع وتلزمهم بتحقيق أهداف هذه التنظيمات دون مواربة أو تأجيل.

إننا نعلم أن هذا الطريق الطويل يحتاج إلى جهود نضالية وبحثية متواصلة لكننا على ثقة بقدرة كل العاملين بأجر ومن ضمنهم العاملون بقطاع الزراعة بتخطي صعاب هذه المرحلة ومواجهة استبداد وعسف السلطات والشركات ورجال الأعمال لتحسين شروط حياتهم وعملهم وتغيير المجتمع للأفضل كى يسع كل طبقاته ويكفل لهم الحرية والعيش الكريم والمساواة.


سادسًا : جدول حوادث العمال الزراعيين

خلال الفترة من يناير2016 حتى سبتمبر2016

م

المشكلة

عدد

القتلى

عدد المصابين

المحافظة

المصدر

التاريخ

1

مصرع 15 شخصًا إثر غرق عبارة سنديون بكفر الشيخ بينهم أطفال عاملون

15

-

كفر الشيخ

اليوم السابع

1/1/2016

2

مصرع شخصين وإصابة 13 من العمالة الزراعية بحادث تصادم بصحراوى النوبارية

2

17

البحيرة

مباشر

4/1/2016

3

مصرع وإصابة 4 عمال زراعيين بحالة تسمم غذائي داخل مزرعة بالبحيرة

1

6

البحيرة

أخبار مصر

25/1/2016

4

توفى ستة عمال، وإصابة ثلاثة آخرين في حادث تصادم قطار بسيارة بمركز العياط، بمحافظة الجيزة

6

3

الجيزة

المصرى اليوم

31/1/2016

5

حادث تصادم لأكثر من 25 سيارة على طريق الجيش الصحراوي الشرقي ببني سويف راح ضحيته أكثر من عشرة عمال

15

20

بنى سويف

المصرى اليوم

31/1/2016

6

لقي عاملان مصرعهما، وأصيب 16 آخرون في حادث تصادم بالطريق بالبحيرة

2

16

البحيرة

المصرى اليوم

31/1/2016

7

لقي 4 أشخاص مصرعهم وأصيب 4 آخرون بينهم طفلان عاملان في حادث تصادم بالمنوفية

4

8

المنوفية

المصرى اليوم

31/1/2016

8

مصرع 3 أطفال حرقاً أثناء عملهم بحريق مخلفات زراعية بقرية موشا فى أسيوط

3

-

أسيوط

اليوم السابع

14/3/2016

9

مصرع 5 عمال وإصابة 21 فى حادث تصادم سيارتين بطريق الإسماعيلية الزقازيق

5

21

الإسماعيلية

الموجز

12/4/2016

10

تشييع جثامين 10 عمال تراحيل ضحايا حادث طريق "سفاجا ـ سوهاج" في بني سويف

10

-

البحر الأحمر

بوابة الأهرام

18/4/2016

11

إصابة 10عمال زراعيين إثر انقلاب سيارتهم بصحراوى البحيرة

-

10

البحيرة

اليوم السابع

12/5/2016

12

لقى طفل عامل مصرعه في حريق بأرض زراعية في بني سويف

1

-

بنى سويف

مصراوى

15/5/2016

13

مصرع وإصابة 10 عمال زراعيين فى حادث سير بالبحيرة

2

8

البحيرة

أسرار الأسبوع

17/5/2016

14

إصابة 9 أشخاص من العمالة الزراعية فى تصادم بغرب النوبارية

-

9

البحيرة

اليوم السابع

3/6/2016

15

مصرع عامل وإصابة 10 في انقلاب سيارة عمال تراحيل بالمنوفية

1

10

المنوفية

مصراوى

19/6/2016

16

مصرع سيدة وإصابة 15 من العمال الزراعيين في حادث انقلاب سيارة بالبحيرة

1

15

البحيرة

المصرى اليوم

23/6/2016

17

لقى عاملان مصرعهما في حادث سقوط سيارة من أعلي معدية نيلية بالمنيا

2

-

المنيا

مصر العربية

28/6/2016

18

انتشال جثة عامل سقط من معدية كفر درويش ببنى سويف

1

3

بنى سويف

اليوم السابع

28/6/2016

19

مصرع عاملين وإصابة 14 فى حادث تصادم سيارتين غرب الإسكندرية

2

14

البحيرة

اليوم السابع

26/7/2016

20

" مصرع وإصابة 7 عمال زراعيين بحادث انقلاب سيارة بالبحيرة

1

6

البحيرة

صدى البلد

30/9/2016

21

مصرع وإصابة ١١ عاملا في حادثين منفصلين بزراعي البحيرة

3

8

البحيرة

البحيرة نيوز

30/9/2016

22

مصرع وإصابة 18 عاملا زراعيا فى حادث تصادم بالشرقية

2

16

الشرقية

مصراوى

30/9/2016

إجمالى الحوادث

79

190

 



[1] اعتمد هذا الجزء على دراسة للدكتور عماد صيام قدمت بورشة مركز الأرض عام 2010

1 اليوم السابع 1/1/2016

2 مباشر 4/1/2016

3 اخبار مصر 25/1/2016

4 المصرى اليوم 31/1/2016

5  المصدر السابق31/1/2016

6 المصدر السابق31/1/2016

7  المصدر السابق31/1/2016

8 اليوم السابع: 14/3/2016

9الموجز: 12/4/2016

10بوابة الأهرام: 18/4/2016

11اليوم السابع: 12/5/2016

12مصراوى: 15/5/2016

13  أسرار الأسبوع: 17/5/2016

14 اليوم السابع: 3/6/2016

15  مصراوى:  19/6/2016

16 المصرى اليوم: 23/6/2016

17مصر العربية: 28/6/2016

18 اليوم السابع: 28/6/2016

19 اليوم السابع: 26/6/2016

20 صدرى البلد: 30/9/2016

21 البحيرة نيوز: 30/9/2016

22  مصراوى: 30/9/2016